نسج الحكايا من الخيوط المتشابكة

أسماء رمضان
305844799

الحكايا؛ ذلك الباب السحري الذي نلجه عندما تُغلق في وجوهنا كل أبواب الواقع…ينابيع الأمل… الفضاءات الرحبة التي تفتح ذراعيها لنا على الدوام، الحلم الذي يداعب أرواحنا ويخفف عنها وطأة الحياة.

منذ صغري عهدت جدتي تمدنا بحكاياتها الجميلة، كان لها أسلوب عذب يجعلنا نجلس أمامها مشدوهين وكأن على رؤوسنا الطير، ومع ولعي الشديد بحكايا جدتي، كان شغفي دومًا نسج حكاياتي الخاصة، تلك الحكايا التي لم تروَ.. الحكايا التي كُتبت على الجدران وشهدتها الأزقة الضيقة وحُفرت على جذوع الأشجار… تفاصيل أبى الزمن أن يمحوها وكأن بينه وبين تلك الحكايا اتفاق سري، بحثت عن تلك الحكايا طويلًا…عندما كنت أجد حفرًا على الجدران كنت أتتبع خطاه لأعرف حكايته الكاملة. وعندما أعجز عن ذلك بسبب صغر سني كنت أجوب المكان جيئة وذهابًا لظني الطفولي بأنه قد يبوح بسره لي، وربما يكون قد فعل.


بدأ الأمر معي بشكل أكثر وضوحًا عندما كنت في المرحلة الإعدادية، وكنت أذهب إلى المخبز المجاور لبيتنا لإحضار الفطائر الساخنة، كان لمدينتي رائحة خاصة لا علاقة لها برائحة الفطائر الساخنة، وتختلف تلك الرائحة من وقت لآخر فهناك رائحة الصباح الباكر المحمل بعطر الندى وهناك رائحة سكون الظهيرة ورائحة حنين المساء، كنت ابتسم في الشارع بدون سبب …أتحسس الأبنية وأنظر في عيون السيدات المسنات والأطفال الصغار، وخلف لمعة أعينهم وجدت ضالتي المنشودة مئات الحكايا التي لم تروَ حتى الآن، كنت اقترب منهم لألتمس الدفئ في جمال حديثهم وحكاياتهم الجميلة، وعندما كنت أعود إلى البيت كانت أمي تسألني سؤالها المعهود، ماهو سبب تأخرك إلى الآن، وأتعلل أنا بأن المخبز كان يضج بالزبائن، لن تفهم أمي يومًا سبب تنازلي عن دوري في المخبز لكل من يأتي حتى استمتع بكل حديث يدور، التقط أطراف حكايا أكملها من نسج خيالي، وبعد أن أعود للمنزل ألملم أطراف الحكايات لأكملها في اليوم التالي.

عندما كبرت، عرفت أن الحصول على الحكايا يمكن أن يكون بطريق أسهل وهو قراءة الروايات والقصص القصيرة، اختبرت متعة أن أكون جالسة على أريكتي الأثيرة وأجوب العالم في الوقت ذاته، ربما يأتي حظي أن تكون الأحداث واقعة في فصل الشتاء ..أتبلل بالمطر ويرتجف جسدي من شدة البرد، فأحصل على بعض الدفئ عندما يقرر بطل الرواية أن يحتسي كوبًا من القهوة الساخنة، وبالفعل تطور شغفي من جمع الحكايا إلى قراءتها من الكتب والروايات، كنت كما الظمآن الذي حصل على قسط وافر من المياه العذبة أخيرًا.


وبعد مرور الكثير من الوقت، قررت أن أكتب حكاياتي الخاصة، وكانت الكتابة شغفي الأكبر: أعظم هبات الحياة قاطبة، أن تمسك بورقة وقلم وتبدأ بحكي القصص، في البداية عليك فك الخطوط المتشابكة؛ تلك الخطوط شديدة التعقيد ويجب عليك لكي تستطيع فكها وتجعلها طيعة في يديك أن تستسلم لها وتترك لها القيادة؛ الخطوط المتشابكة هي رائحة الأماكن، النظرة الحائرة، الكلمة المتلعثمة، خفقان القلب وشدة ضرباته، لمعة الأعين وخطوط الوجه التي تخلفها الابتسامه الحقيقية وتلك التي تخلفها الابتسامة المصطنعة.

نسج الحكايا من أشد الخيوط تشابكًا، والبحث عن الحكايات المخبأة داخل الصدور والحكايا التي ترويها سيدة لا نعرفها في وسيلة المواصلات العامة، هي أعظم كنوز هذا العالم.أن تفتح قلب أحدهم ويعبر لك عن مكنوناته هو أمر جلل ولكن أن تبحث أنت عن ما لم يحكه وما لم يفض به لهو جوهر السعادة الخالصة على هذه الأرض، الذي إذا كان عليها حقًا ما يستحق الحياة فسيكون بلا أدنى شك؛ الحكايات الجميلة.

شغف

اترك تعليقاً علي المحتوي