أن تغرد خارج السرب

إلهام محمد
unnamed (2)

التغريد خارج السرب يعطيك فرصة الاستماع إلى صوتك والتعرف عليه، صحيح سيسمع تغريدك نشاذًا، وستسقط كثيرًا وتسمع دوي ضحكات مكتومة خلف كل سقوط، وقبل أن تسأل لماذا أسقط؟!، لأنك وحدك ولا تعلم خبايا الطريق الذي اخترته ولا مدى صعوبته لذلك ستسقط لا محالة، لكنه شغفك من يساعدك على النهوض من جديد ويعلمك أنه مع كل سقطة معرفة جديدة وعقل أنضج وجناح أقوى ليحلق بعيدًا، لكن تذكر جيدًا أن الطريق لن يكشف لك عن معالمه إلا إذا تأكد من صدق شغفك ومتابعتك له.

التقيت بشغفي الأول  في الثانية عشر من عمري، وجدته ملقى في أحد الأركان التي تحوي كراكيب المنزل، جذبتني أوراقه الصفراء وصورة غلافه التي تشبه الأساطير، خبأته تحت وسادتي لأتصفحه قبل النوم، وعندما جاء المساء دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي، وبدأت بعنوانه المثير “الإنسان والشيطان والسحر”  للكاتب سعيد إسماعيل وما هي إلا صفحات قليلة حتى سيطر الخوف علي وزدت رعبًا مع تصفح الصور المرفقة مع النص فأسرعت بإغلاقه واحتفظت به بدرج مكتبي، اضطرب نومي لأسبوع ولم أخبر أحدًا من أهلي، كان شغفي مازال قائمًا رغم خوفي، وإذا علموا به سيكون مصيره الحرق، لكنها مسألة وقت وسأعاود قراءته، لم يكن اهتمامي منصبًا على محتواه بل على اكتشاف عوالم أخرى غير كتب الدراسة المملة، وهنا تعرفت على الصفة الأولى للشغف أنه لا يمنع الخوف لكنه أقوى منه.


بدأت أقرأ كل ما تقع عليه عيني من جرائد قديمة لقصاصات ورق، فلم يكن متوفر في القرية التي نشأت بها بائع كتب ولا حتى بائع جرائد، حتى كبرت قليلًا وتعرفت على مجلة العربي مجلة كويتية، تعرفت من خلالها على الكثير من الكتاب العظام وعن كتاباتهم، فوجهتني لكتابات جيدة، ومع ذلك لم أنس الكتاب الذي عرفني بشغفي الأول ورغم محاولاتي الفاشلة من وقت لآخر لقرائته، وبعد مرور ثلاث سنوات من لقائي الأول به تحديت نفسي لأقرأه كاملًا وقد كان.

لم تكن القراءة ضمن اهتمامات أي شخص من حولي، لذلك تلقيت الكثير من النقد، وكان كثيرًا ما يلقى علي هذا السؤال “ما الفائدة مما تقرئينه؟”، لم أكن أعرف كيف أجيبهم وقتها، لكن أيضًا لم أتوقف رغم أنني لست قارئة نهمة بل انتقائية، أما الآن يمكنني الإجابة على سؤالهم، فقد ساعدتني القراءة على أن يكون لي شخصيتي الناتجة من أفكاري وآرائي الخاصة وليس مسخ من آراء وأفكار الأخرين، كما ساعدتني على أن أتصالح مع نفسي خصوصًا مع عيوبي، وهنا توصلت للصفة الثانية للشغف وأنه ليس بحاجة لكلمات إطراء أو تشجيع.


أما عن شغفي الثاني فقد التقيت به في المرحلة الثانوية، كنت أستمع لأوبرت الضمير العربي لأول مرة، جذبتني كلماته “أجيال ورا أجيال هتعيش على حلمنا” لكن سرعان ما امتلأت عيني بالضباب من هول ما رأيت، من بشاعة الصور التي لم أكن أتصور يومًا أنها بهذه الدرجة من البشاعة، انتهاك لحقوق الإنسان وقتل الطفولة ودمار المدن, بعد انتهاء الأوبريت ذهبت لغرفتي كي أنام لكنني لم أستطع، ما رأيته كان أكبر من استيعابي، ظللت أتساءل أين ضمير العالم؟، لماذا غائب ومتى سيعود؟، وأين الإنسانية في هؤلاء الأشخاص؟ الذين يمارسون أبشع طرق التعذيب دون أدنى إحساس بالذنب، فوجدتني أكتب دون مقدمات قصة عنونتها “أنا طفل فلسطيني”.

أحببت الكتابة ووجدتها الوسيلة التي يمكنني أن أعبر من خلالها عن كل ما يدور في داخلي وحولي، فوجدت أن دراسة الإعلام لأتمكن من تخصص الصحافة هي الأنسب لي، لكنه التنسيق الذي حال بيني وبين رغبتي، كما لم أخبر أحد عن تجاربي في الكتابة إلا بعد أن فزت بمسابقة إبداع بالعربي للقصة القصيرة 2015.

حضرت ورش عمل في الصحافة والكتابة الأدبية والإذاعة والرسم وأيضًا في تخصصي الجامعي المساحة والخرائط، كما جربت الدراسات العليا ودرست سنة واحدة في الماجستير، أنفقت الكثير من الوقت والمال لأكتشف نفسي وأتعرف على شغفي، وكانت حصيلتي من كل الأشياء التي جربتها القراءة والكتابة والرسم والأشغال اليدوية ومؤخرًا التصوير وزيارة الأماكن التاريخية، وإن كان هناك تفاوت في نسب اهتمامي بكل منهم،  وهنا تأكدت أن الشغف هو الرغبة في الاستمرار مهما كانت الصعوبات.


لم أصل لما أريده بعد، لكنني على الطريق الذي تأكد من صدق نيتي فبدأ يكشف لي عن معالمه لتهديني وتوجهني، مازلت في منتصف العشرينات لدي قدرة جيدة على تعلم واستيعاب الجديد، فأنا مؤمنة بأن مواصلة السعي تقتضي حتمية الوصول كما قال الإمام علي رضي الله عنه.

لم تنتهي قصتي مع الشغف، لا أعلم ما تحمله الأيام القادمة، تجارب الحياة تكشف لنا عن أنفسنا أكثر مما تكشف لنا عن الحياة، بحاجة فقط لأن نتحلى بالصبر.

شغف

اترك تعليقاً علي المحتوي