عائلة بابا آمتي… إنها حقًا عائلة محترمة!

أحمد سمير
Baba-Amte-ili-86-img-1

في الهند من جديد! يبدو أن جوها المعبق برائحة التوابل يلهم المهتمين بالمبادرات المجتمعية، حيث الحاجة هي حقًا أم الاختراع! هذه المرة القصة ليست قصة فرد، لكنها قصة عائلة قرر أفرادها خدمة المجتمع كل على طريقته.

البداية من عند الأب، و اسمه بالفعل بابا! اسمه بالكامل آمتي مورليدار ديفيداس Amte Murlidhar Devidas . ولد  بالهند في عام 1914 لعائلة  ثرية في المنطقة  المعروفة حاليًا ماهاراشترا Maharashtra. لكن ثراء العائلة لم يمنع الطفل الصغير من الاهتمام بالفقراء من حوله. كان يعتقد أن الحواجز التي توضع بينه وبين رؤية البؤس المحيط به ليس لها معنى، لذلك كان يتجاوز هذه الحواجز ويقضي وقته في اللعب مع أطفال الخدم. على الرغم من رفض العائلة لهذه السلوك في البداية، لكنهم لم يملكوا إلا الإعجاب به في نهاية المطاف، حتى اعتبره أبواه قديسا، وصار اسم ” بابا” الذي قرروا أن يدللوه به في البداية هو الاسم الذي اقترن به طوال عمره. تعلم القانون، وأصبح محاميًا يدافع عن قادة حركة التحرير التي قادها غاندي في الهند ضد المستعمر الإنجليزي. أبلى في ذلك بلاء حسنًا حتى أن غاندي قد أطلق عليه “طالب الحق الذي لا يخاف”. في المقابل كان أمتي شديد الإعجاب بالمناضل العظيم سائرًا على طريقته في الحياة والزهد.


في هذه الفترة كان مرضى الجذام يعانون من وطأة المرض القاتل، ومن الوصمة الاجتماعية من المجتمع المحيط. زاد من حالة الرفض الاجتماعي اعتقاد العامة أن العدوى تنتشر بشكل سريع كالإنفلونزا. كانت هذه المشاهد تؤلم بابا أمتي الذي كان اهتمامه يزداد بهؤلاء المرضى الفقراء، ويبدو أنه كان محظوظًا لأنه وجد من يشاركه هذا الاهتمام. بدأ المهمة مع زوجته سادنا أمتي Sadhna Amte التي كانت تؤمن بكل ما يفعله. في البداية كان يسعى لدحض المعتقدات والأساطير الخاطئة عن المرض، حتى أنه حقن نفسه ببكتريا الجذام من أحد المرضى ليثبت أن العدوى لا تنتشر بسهولة. حصل على دورة توجيهية عن المرض، وانطلق مع عائلته لتخفيف الألم عند المرضى في العيادات التي تعالج المرضى. ومع  زوجته المخلصة أنشأ مركزًا ومستشفى صغيرًا تحت شجرة في العام 1949. تطور المركز ليتحول إلى مؤسسة لجنة الخدمات  Maharogi Seva Samiti أو MSS لإعادة تأهيل وتمكين ورعاية الفقراء من مرضى الجذام. تقدم الجمعية العديد من الخدمات التي لا تقف فقط عند الخدمات الصحية، لكنها تتعداها إلى توفير الاحتياجات الأساسية من أرض وموارد مائية. كما تقوم الجمعية بالمساعدة في تحسين دخل هؤلاء المرضى وتوفير التعليم والتوعية للشباب حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. كان عمل MSS  فريدًا من نوعه، فقد قدمت المؤسسة الخدمة لقرابة  2.6 مليون شخص لتكون أكبر مجتمع يقدم خدمة للمصابين بمرض الجذام في العالم.

لم يكن تحقيق هذه الأهداف ممكنًا من دون إنشاء أناندوان Anandwan أو غابة السعادة. على مساحة 464 فدان تقريبًا تتواجد هذه القرية اليوم والتي تم إنشاؤها منذ أكثر من ستة عقود. تمثل هذه القرية صورة مصغرة من الهند التي يحلم بها أصحابها، وتحتوي على مختلف أنواع الأنشطة التي تشمل المستشفيات، دار الأيتام، دور المسنين، وحدات إنتاجية ، ومعاهد تعليمية ومهنية. كل هذه الأنشطة تدار بواسطة أبناء أناندوان  وأغلبهم من أصحاب الإعاقة. من خلال اقتصاد يعتمد على الاكتفاء الذاتي، تنتج القرية  بضائع يصل حجم إنتاجها قرابة 40 مليون روبية سنويًا. لم تعد أناندوان مجرد مركز تأهيل حيث يتوفر المأوى لآلاف من مرضى الجذام، لكنها صارت مدرسة يتعلمون فيها كيف يحترمون أنفسهم وكيف يكونون قادرين على مساعدة أنفسهم وغيرهم.

 لم يكتف آمتي بالعمل مع البشر، لكنه عمل أيضًا من أجل البيئة. كان من أبرز هذه المساحات دعمه لزيادة توعية العامة بأهمية التوازن البيئي والحفاظ على الحياة البرية، ومساندة حركة نارمادا باتشاو أندولان Narmada Bachao Andolan التي كانت تهدف إلى منع بناء السدود على نهر نارمادا نظرًا لتأثيرها على السكان المحليين. استمرت جهود آمتي سنوات عديدة، حصل  خلالها على العديد من الجوائز والتكريمات. من بين هذه الجوائز جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان عام 1986،  وجائزة غاندي للسلام في عام 1999. توفي بابا أمتي في عام 2008، لكن تراثه لم يمت.


عدوى العمل العام لم تقتصر فقط على آمتي وزوجته، فقد نقلاها مع الجينات إلى الأبناء .فالابن الأكبر فيكاس آمتي Vikas Amte  وزوجته بهاراتي آمتي Bharati Amte   قررا أن يكملا ما قام به الأبوان في مجال رعاية مرضى الجذام. فالطبيب فيكاس يترأس المؤسسة التي أنشأها والده والتي تحولت إلى معهد علمي رائد  ومركز للتعامل مع الحالات المصابة بالمرض التي يتم تحويلها من أماكن أخرى. فيكاس الذي استطاع أن يقوم بالكثير من التطوير في أناندوان لم ينس دور الفن، فقام بإنشاء مسرح علاجي  وفريق موسيقى هو الأول من نوعه في العالم يتكون أعضاؤه بالكامل من ذوي الإعاقة.

أما الابن الأصغر براكاش آمتي Prakash Amte  فهو قصة أخرى.  فأحلام بابا آمتي كانت بلا حدود. في عام 1973 أسس آمتي  الأب مشروع المجتمع العام (LBP) Lok Biradari Prakalp لرعاية أفراد عشائر ماديا جوندز Madia-Gonds  البدائية في منطقة غادشيرولي. كان أفراد هذه العشائر يعيشون في الغابات حياة بدائية للغاية محرومين من أبسط مقومات الحياة. تطوع الابن الأصغر وزوجته مانداكينى للحياة والعمل مع هذه العشائر. الطبيبان الشابان تركا المدينة بكل الفرص المتاحة فيها ودخلا إلى الغابة، وقررا أن لا يعودا حتى يتحول المكان إلى أسطورة. حين قدم براكاش وزوجته لم تكن  أبسط الخدمات متاحة، لكن جهودهما مع المتطوعين الآخرين أثمرت أخيرًا عن وصول هذه الخدمات إلى أهل هذه المناطق. لم تكن الرعاية مقصورة على البشر في هذا المشروع، فقد كان للحيوانات نصيب منها. وكأنها سفينة نوح، تم إنشاء مكان لإنقاذ لأيتام الحيوانات التي قتل أهلها لأي سبب. عملت الجمعية على الحفاظ على آلاف الحيوانات البرية والمفترسة، التي تم تبني بعضها من قبل البشر وأطلق بعضها  الآخر في الغابة من جديد. كانت قصة براكاش وحدها ملهمة لصناع السينما، ففي عام 2014، قامت إحدى الشركات بإنتاج فيلم بعنوان “براكاش آمتي، البطل الحقيقي”.


Baba-Amte-ili-86-img-4

عائلة بابا آمتي


المصادر:

المصدر الأول، المصدر الثاني ، المصدر الثالث ، المصدر الرابع ، المصدر الخامس ، المصدر السادس.

الهندخدمة البيئة

اترك تعليقاً علي المحتوي