أطباء الشوارع….في مواجهة الجريمة

أحمد سمير
unnamed

“لقد مس عمل إيما حياة الكثير من الشباب، ومنحهم المهارات الضرورية التي يمكن أن تنقذ حياة الكثير من الأشخاص”

رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون متحدثًا عن إحدى متطوعات أطباء الشوارع.

القصة بدأت في ليفربول مع كورس للإسعافات الأولية كان طالبا الطب البريطانيين نيك رهيد وسيمون جاكسون يقدمانه للطلاب والمراهقين في المدينة. مع مرور الوقت لاحظ المدربان أن أغلب المتدربين يعرفون أشخاصًا تعرضوا  للعنف أو توفوا نتيحة للطعن بالسكين أو للإصابة بطلق ناري أو كانوا هم أنفسهم عرضة لهذه الحوادث. كانت مشاهد العنف والقتل قد أصبحت معتادة و مألوفة بالنسبة لهؤلاء المراهقين. الأرقام كانت مفزعة، فالشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا أكثر عرضة بأربعة أضعاف للوقوع كضحايا للعنف من باقي السكان، هذا العنف كان يمثل السبب الثالث للوفيات وسط الشباب، والتي كان بعضها يحدث فقط لأن المحيطين بالمصاب لم يكونوا على دراية بكيفية التصرف في المواقف الطارئة أو حتى يطلبون النجدة. لم تكن الخسائر فقط على المستوي الإنساني، لكنها كانت كذلك على المستوى الاقتصادي. فالعنف يكلف النظام الصحي في بريطانيا قرابة 3 مليارات جنيه استرليني سنويًا، ويكلف المجتمع بوجه عام عشرة أضعاف هذا الرقم تقريبًا.  كان انتشار العنف يعكس لونًا واضحًا من ألوان عدم المساواة، فأقسام الطوارئ في مستشفيات المناطق الفقيرة تعاني من حوداث العنف بصورة تتجاوز خمسة أضعاف الحوادث في المناطق الأكثر ثراء.


كانت هذه المعلومات صادمة لطلاب الطب الشباب. شعر نيك وسيمون أن إعطاء دروس الإسعافات الأولية وحده لا يكفي، وأن بإمكانهما أداء دور أكبر. بالتعاون مع شارلوت نيري-بريمر، زميلتهما في الجامعة، قرروا سويًا إنشاء “مشروع ليفربول” الذي تحول بعد ذلك إلى ” أطباء الشوارع” من أجل استهداف الشباب الذين يعانون من آثار العنف سواء كانوا جناة أو ضحايا. كانوا يرون  العنف “مرضًا معديًا”، وبالتالي صار هدفهم هو زيادة وعي الشباب خاصة هؤلاء الذين مارسوا الجريمة أو في الدوائر القريبة منها بخطورته ، وكذلك دعمهم من أجل تغيير طريقة التعامل مع العنف ومنع انتشار العدوى. الفكرة التي بدأت في ليفربول عام 2008 اتسعت لتشمل 14 مدينة في انجلترا واسكتلندا وويلزوأيرلندا. من خلال أكثر من 300 طالب طب متطوع، صار الحلم هو صناعة تغيير حقيقي  ومستمر في حياة هؤلاء الشباب الذين يقومون بتدريبهم من خلال منحهم الثقة والمسؤولية اللازمة لمواجهة العنف في المجتمع.

كان من المثير للاهتمام السؤال الذي كان المتدربون يسألونه دومًا “ما هي الأماكن الآمنة في الجسد التي يمكن أن تطعن فيها شخصًا بشكل آمن؟”. على الرغم من غرابة السؤال، إلا أن المدربين كانوا يتفهمون الدوافع وراءه. فالكثير من الشباب كانوا يحملون الأسلحة للدفاع عن أنفسهم في ظل تزايد موجة العنف في المجتمع. لكن الواقع لم يكن يشير إلى أن هذه الأسلحة تقوم بدورها كما يجب. فالكثير من الضحايا كانوا يصابون بالأسلحة التي يحملونها. كان المدربون يشيرون بوضوح إلى أنه “ليس هناك  أي مكان آمن للطعن في الجسد”. سمح التقارب السني بين المدربين والمتدربين بحدوث تقارب ملموس بين الطرفين. شملت أماكن التدريب مراكز الشباب، منظمات مجتمعية، مدارس وفرقا شبابية، ووصلت في بعض الأحيان إلى الشباب في السجون.


خطوة بخطوة كان البرنامج الذي اعتمدته المنظمة غير الربحية. كان البرنامج يهدف إلى تسليح الشباب بسلاح من نوع آخر لمواجهة العنف، من خلال تعلم مهارات الإسعافات الأولية التي تمكنهم من مساعدة الآخرين وقت الحاجة من جهة، ومن خلال التوجيه المهني وتقديم المشورة من جهة أخرى. التدريب كان يتم على مرحلتين: الأولى يتعلم  فيها المتدرب كيف ينقذ شخصًا في حالة طوارئ ثم ينقل هذه المعرفة لأقرانه ويتدرب عليها من خلال دورة تدريبية تحاكي الواقع. في الخطوة الأخيرة يحضر تدريبًا آخر يساعده على اختيار أحد التخصصات الطبية إن أراد الاستمرار في هذا المجال. بعدها ينتقل إلى المستوى الثاني حيث يرتبط المتدرب مع مدرب من طلبة الطب المتطوعين لمدة تترواح بين شهر وستة أسابيع يقوم فيها بمساندته وتوجيهه في حل مشاكله. مع نهاية عام 2016 كان  أطباء الشوارع قد قاموا بتدريب أكثر من 7000 شاب نجح بعضهم بالفعل في إنقاذ حياة العديد من الأشخاص في مواقف مختلفة.


المصادر: 

المصدر الأول ، المصدر الثاني.

لقراءة تجربة أخرى لأطباء الشوارع، طالع هذا المقال:

أطباء الشوارع..سفراء الرحمة بالمشردين من هنا.

أطباء الشوارع.الإسعافات الأولية

اترك تعليقاً علي المحتوي