الغذاء البطئ..من احتجاج محلي إلى حركة عالمية

مجدي سعيد
17968829_1916554745231129_566836627_o

أن تتحول من الاحتجاج والرفض إلى البناء المناقض “ذلك أفضل جدًا”، هذه هي الخاطرة الأولى التي تقفز إلى ذهنك وأنت تتأمل في قصة تأسيس حركة “الغذاء البطيء Slow Food” وهي واحدة من الحركات الأهلية العالمية المتنامية في العالم اليوم، والتي تستبدل الاحتجاج على جوانب سلبية مختلفة وعديدة في النظام العالمي القائم (وهو أمر مشروع ولا غبار عليه)، إلى أمر أكثر فائدة وإلهامًا وأثرًا وهو أن تتحول إلى حركة لبناء منظومة بديلة لما ترفضه، تطبيقًا للمثل الصيني الشهير: بدلًا من أن تلعن الظلام..أوقد شمعة.


حركة الغذاء البطيء هي حركة قاعدية grassroots أسسها الإيطالي كارلو بتريني Carlo Petrini عام 1986، ومنذ ذلك التاريخ انتشرت على المستوى العالمي، وعرفت كحركة مناقضة لوباء الوجبات السريعة fast food تهدف إلى الحفاظ على المطبخ التقليدي الخاص بكل ثقافة من ثقافات العالم، وبهد تشجيع زراعة النباتات، واستنبات البذور، وتربية الماشية المميزة لكل نظام بيئي محلي، وتتوافق أعمالها بالأغذية المستدامة وتعزيز الأعمال التجارية المحلية الصغيرة بجدول أعمال سياسي موجه ضد عولمة المنتجات الزراعية، والعولمة القائمة على سيادة واحتكار ثقافة غذائية واحدة وموحدة تسحق تحت أقدامها التنوع الثقافي الغذائي الذي يتميز به العالم بشكل طبيعي، وقد كانت حركة الغذاء البطيء هي باكورة حركة أوسع للحياة البطيئة شملت التعليم، والموضة، والسينما، والبستنة، والبضائع، والمال، بل وحتى الدين وغيره من مظاهر ومنتجات الحياة.


كان تأسيس الحركة في البداية احتجاجًا على تأسيس فرع لسلسة محلات ماكدونالدز للوجبات السريعة من ساحة السلم الإسباني في روما، وذلك عبر تأسيس منظمة إيطالية عرفت باسم أركيجولا، وخلال ثلاث سنوات انتقلت عدوى الحركة إلى 15 دولة، اجتمع ممثلوها عام 1989 في باريس وأصدروا إعلانًا بتأسيس الحركة الدولية للغذاء البطيء، ومنذ تأسيسها وحتى الآن، أصبح للحركة مليون مؤيد، و100 ألف عضو في 160 دولة حول العالم.


تعتمد فلسفة حركة الغذاء البطيء على تصورها لعالم يمكن فيه لجميع الناس الوصول إلى طعام جيد بالنسبة لهم، وجيد لأولئك الذين ينتجونه، وجيد لكوكب الأرض، ويستند نهجها على مفهوم الغذاء الذي يتم تعريفه من خلال ثلاثة مبادئ مترابطة: جيد من حيث الجودة والطعم، والصحة، نظيف من حيث كونه لا يضر البيئة، عادل من حيث أن أسعاره يمكن الوصول إليها من قبل المستهلكين ومن حيث الشروط والسعر للمنتجين، وقد وضعت الحركة بيانًا تفصيليًا لجودة الغذاء البطئ.


تتكون الحركة من بنى متدرجة من المستوى الدولي إلى مستوى المجتمع المحلي، حيث يقع المقر الرئيسي للحركة في مدينة برا Bra الإيطالية، ويديرها مجلس دولي، ولجنة تنفيذية تنتخب كل أربع سنوات، ويرأسها المؤسس كارلو بتريني، أما على المستوى الوطني فتدير الأمور بنى تنظيمية وطنية، لها استقلالية عن الإدارة الدولية، إلا أنها يجب أن تلتزم بالسياسات العامة للحركة، وتدعم البنى الموجودة بالمجتمعات المحلية المعروفة باسم الكونفيفيا Conviva وتنظم فعاليات وطنية، أما على المستوى المحلي فتقوم الكونفيفيا بتنظيم أنشطة وفعاليات على مستوى المدن والبلدات والمجتمعات، ويوجد حول العالم 1500 كونفيفا. إضافة لتلك التراتبية التنظيمية، توجد هيئات فنية إضافية ممثلة في:

-مؤسسة الغذاء البطيء للتنوع البيولوجي، والتي تأسست عام 2003، للدعم الفني لمشروعات الحركة في هذا المجال.

-مؤسسة تيرا مادرى Terra Madre والتي تأسست عام 2004 لدعم نمو شبكة عالمية من المجتمعات الغذائية والطهاة والأكاديميين والشباب الذين يعملون من أجل نظام غذائي مستدام.

-جامعة العلوم الغذائية (UNISG) وقد افتتحت عام 2004 لتعليم المهنيين في مجال الأغذية في المستقبل.


ماذا تقوم الحركة بفعله على الأرض؟

تعمل حركة الغذاء البطيء في جميع أنحاء العالم لحماية التنوع البيولوجي للأغذية، وبناء روابط بين المنتجين والمستهلكين، وزيادة الوعي ببعض المواضيع الأكثر إلحاحًا التي تؤثر على نظامنا الغذائي.

وتتراوح هذه المبادرات بين الأنشطة المجتمعية التي تنظمها كونفيفيا المحلية، إلى المشاريع الكبيرة والحملات والأحداث التي تنسقها المكاتب الوطنية والمقر الدولي.

-توفير الأغذية المهددة بالانقراض والدفاع عن تقاليد تذوق الطعام من خلال مشاريع التنوع البيولوجي لدينا.

-تدريس متعة الطعام وكيفية جعل خيارات جيدة ونظيفة وعادلة من خلال الغذاء والطعم التعليم.

-احتفالات تقاليد تذوق الطعام في أوروبا وآسيا والجبن الحرفي والأسماك، واجتماعات الفعاليات الدولية.

-ربط الناس عاطفيًا بتغيير النظام الغذائي من خلال الحركة الدولية.


في عام 2012 وضعت الحركة لنفسها هدفًا واضحًا: إنشاء 10 آلاف حديقة غذائية في أفريقيا، وتحديد 10 آلاف من منتجات الأقاليم الغذائية (تسمى في أدبيات الحركة Arc of Taste) والوصول إلى 10 آلاف مجموعة محلية (كونفيفيا والمجتمعات الغذائية) أعضاء في الحركة.

في السطور السابقة حاولت أن أغطي بعض جوانب الحركة العالمية للغذاء البطيء، والتي تحاول أن تلعب دورًا مضادًا للتأثير الثقافي والاقتصادي والبيئي والصحي السلبي الذي تتسبب فيه الموجة الكاسحة للوجبات السريعة، وعلى الرغم من عمر الحركة الصغير 31 عام تقريبًا، إلا أنها لاقت تجاوبًا طيبًا حتى الآن. بقي أن نشير أن مصر بها 4 كونفيفيا، في القاهرة والفيوم والإسكندرية وجنوب سيناء، وهو حجم ضئيل لحركة بهذا العمق والثراء والتأثير.

unnamed (1)


للمزيد طالع موقع الحركة.

إيطالياحركة الغذاء البطئصحة

اترك تعليقاً علي المحتوي