عربات يد للزراعة العضوية..تجربة هندية رائدة

أحمد بركات
19397835_1948145968738673_1360068503_n

تعتبر الهند دولة زراعية بامتياز، حيث يعتمد أكثر من 70% من سكانها على الزراعة بشكل مباشر، أو غير مباشر. رغم ذلك، يحتل تحسين أوضاع المزارعين المعيشية مكانة متأخرة في قائمة اهتمامات الدولة والمجتمع على السواء. ورغم ارتفاع معدلات أسعار المحاصيل الزراعية بصورة يومية تقريبًا، إلا أن أحوال المزارعين المعيشية تشهد تراجعًا مطردًا، حتى تحول “انتحار المزارعين” إلى ظاهرة تزعزع أمن المجتمع الهندي بوجه عام.


البحث في جذور المشكلة

في إطار جهوده لوضع استراتيجيات عالمية بوصفه عضوًا في فريق “تحليل وتخطيط الأعمال” في قطاع “خدمات التكنولوجيا”، اطًلع “نافين سيري Naveen Seri” على تقرير صادر عن “المكتب الوطني لسجلات الجرائم”، ورد فيه أن 32 مزارعًا تقريبًا ينتحرون كل يوم في الهند بسبب الإفلاس. دفعت هذه الإحصائية نافين – الذي كان يعمل مهندس برمجيات في قطاع تكنولوجيا المعلومات لمدة تزيد على 15 عامًا – إلى ترك وظيفته المرموقة عام 2012 ليتفرغ للبحث عن أسباب تدني الأوضاع الاقتصادية للمزارعين، حتى بلغت حد الإفلاس، واتخاذ إجراء ما حيال ذلك.

وعلى مدى أكثر من عام، جاب نافين عدد من الولايات مثل تيلانغانا، وأندرا براديش، وكارناتاكا، وماديا براديش، وغيرهم لبحث مشكلات المزارعين، ومحاولة البحث عن حلول جذرية. وبعد عام ونصف تبين له أن أعباء جديدة وضعت على كاهل المزارعين بسبب أساليب الزراعة التقليدية. فقد كان المزارعون في السابق لا يشترون بذورًا جديدة، أو أسمدة، أو مبيدات؛ وهو ما يعني أن تكلفة المنتج كانت “صفرًا”. لكن الحال تبدل اليوم، حيث غدا المزارعون يشترون بذورًا جديدة كل عام، وينفقون أكثر من نصف دخولهم على الأسمدة الكيميائية والمبيدات. إضافة إلى ذلك، تؤدي هذ المواد الصناعية إلى إفقار التربة؛ وهو ما يعني أن السبب الأول في إفلاس المزارعين يكمن في ثنائية زيادة النفقات، وتراجع المحصول. كما تبين له أيضًا أن السبب الثاني، والأهم، يتمثل في الوسطاء الذين يتولون تسويق المنتج، وتحديد قيمته.


“تروتريد”.. فكرة من رحم المعاناة

وبعد أن وضع يده على الأسباب الجذرية للمشكلة، قرر نافين تدشين مؤسسته الاجتماعية التي حملت اسم “تروتريد” TruTrade. في هذا السياق، يقول نافين: “لم أرغب في أن أكون وسيطًا جديدًا يعمل من أجل الربح؛ لذلك قررت أن تكون “تروتريد” مؤسسة اجتماعية لا تهدف إلى تحقيق أي هامش ربحي.

بدأ برنامج عمل المؤسسة بإقناع المزارعين بالتحول إلى الزراعة العضوية لضمان توفير غذاء صحي عالي الجودة للمستهلك من جانب، وللمساعدة على تطوير بيئة خالية من المواد الكيميائية من جانب آخر، لا سيما بعد أن أثبتت البحوث أن الفاكهة والخضروات والقطن يستهلكون وحدهم حوالي 45% من المواد الكيميائية المستخدمة في الزراعة؛ وهو ما يجعل التحول إلى الزراعة العضوية عاملًا حاسمًا في القضاء على – أو، على أقل تقدير، الحد من – تلوث التربة والماء والهواء، وبالتالي التأثير إيجابيًا على التنوع الحيوي.

تستغرق عملية التحول الكامل إلى الزراعة العضوية ثلاث سنوات؛ وهو ما دفع بالمسئولين الميدانيين في مؤسسة “تروتريد” إلى عقد دورات تدريبية للمزارعين، والتواجد إلى جانبهم بصفة مستمرة لإرشادهم طوال عملية التحول. وانصب التدريب على إدارة مغذيات التربة، وانتقاء البذور، ومعالجة الآفات، وغيرها. كما ساعد فريق التدريب المزارعين على الحصول على شهادة في الزراعة العضوية حتى يتمكنوا من بيع منتجاتهم بسعر أفضل.

واليوم، تضم مؤسسة “تروتريد” ما يقرب من 13000 مزارع من ولايات أندرا براديش، وتيلانغانا، وتاميل نادو، وماديا براديش، وكارناتاكا، ويحصل هؤلاء المزارعون على 70% من القيمة الإجمالية للمنتج، وهو ما يضمن لهم أوضاعًا معيشية أفضل. ولعل أهم ما يميز مؤسسة “تروتريد” هو “عداد الشفافية” الذي تطبعه على ظهر كل منتج من منتجاتها، ويحدد التكلفة الحقيقية لكل مكون من مكونات الإنتاج، وصولًا إلى السعر النهائي للمستهلك.


“ثيلاوالا العضوية”.. خدمة حيوية جديدة

تمثلت الخطوة التالية في عملية التسويق. حيث انتهج نافين نهجًا جديدًا في التسويق يقوم على تقليل نفقات الدعاية إلى الحد الأدنى، على أن يعتمد على المستهلك في الترويج لبضاعته. ونجحت “تروتريد” في عقد اتفاقية شراكة مع متجر “جرينز” Greenz، لبيع جميع منتجاتها في فروعه المنتشرة في حيدر آباد. فاقت استجابة عملاء هذه الفروع (يبلغ عددها 50 فرعًا) كل التوقعات؛ حيث تزايدت طلباتهم بصورة لافتة على فواكه وخضروات عضوية تحمل “عداد الشفافية” ذاته عند شرائهم منتجات “تروتريد” من الحبوب.

لم يتوافر لدى المؤسسة آنذاك رأسمال كاف لإنشاء مزيد من المتاجر لتلبية احتياجات عملائها من الخضروات والفواكه، لكن القائمين عليها تفهموا جيدًا حاجة السوق المحلية الملحة إلى هذه الجودة، وتلك الشفافية إذا ما قرروا تقديم هذا المنتج. وبينما كانوا يفكرون في كيفية توفير المكان، سمع نافين من أمه أنها تفضل شراء احتياجات منزلها من الخضار والفاكهة من عربات الباعة الجائلين “لأن بضاعتهم دائمًا طازجة، فضلًا عن أنها أقل سعرًا من المتاجر الكبرى”.

ألهم ذلك نافين تدشين مشروعه الجديد في مدينة بنغالورو، وهو “ثيلاوالا العضوية” Organic Thelawala (وتعني عربات اليد التي يستخدمها الباعة الجائلون لبيع الخضروات والفاكهة). وفي الوقت الذي عكف فيه فريق “تروتريد” على تصميم العربات، ذهب نافين للبحث عن باعة جائلين للعمل عليها. لم تكن أحوال الباعة الجائلين أحسن حالًا من المزارعين، وتم الاتفاق على أن تتولى مؤسسة “تروتريد” توفير عربات اليد، وتسديد ثمن الخضروات للفلاحين على أن يتقاضى البائع نسبة على الكمية المباعة. كما وفرت المؤسسة خدمة توصيل الطلبات في أي مكان بمدينة بنغالورو مقابل 30 روبية.

ومع النجاح اللافت الذي يحققه المشروع يومًا بعد يوم، يأمل فريق “تروتريد” في التوسع أفقيًا ورأسيًا في جميع أنحاء الهند، ونقل خبراتهم إلى المجتمعات المحلية المجاورة للنهوض بأحوال المزارعين، ولتوفير منتج صحي عالي الجودة، ولتقديم بيئة صحية مستدامة.


20170531_083330-500x281

unnamed (3)

unnamed (4)

19389388_1948145888738681_1388516597_n

19357748_1948145945405342_1317343749_n


 الموضوع ترجمة بتصرف عن النص الأصلي للموضوع للاطلاع عاليه من هنا.

صفحة TruTradeعلى الفيسبوك من هنا.

وصفحة مبادرة Organic Thelawalaعلى الفيسبوك من هنا.

ابتكارالزراعة العضويةالهند

اترك تعليقاً علي المحتوي