ماركوس كايزر يحول الرمال إلى مقتنيات زجاجية

أحمد بركات
unnamed

فارس الصحراء الذي كسر قاعدة “لا شيء هناك سوى الشمس والرمال”.. في إشارة إلى صحراء لا تحتوي فوق رمالها، أو تحت شمسها على أي مقومات للحياة، أو أسس للحضارة. حملته روح التحدي على الخروج من مراكز الصناعة الألمانية ومراكز البحث البريطانية إلى صحاري المغرب ومصر الموحشة ليواجه شح الموارد بروح الإبداع، وليقدم للعالم فكرة عبقرية في زمن صار فيه الإنتاج المستدام للطاقة والمحافظة على الموارد من القضايا الكبرى، عبر جهاز يجمع بين الفن والعلم، ويمزج بين المهارة والتكنولوجيا ليحول رمال الصحراء عبر حرارة الشمس إلى مقتنيات زجاجية مبهرة.


فلسفة إنتاجية جديدة
ولد مصمم المنتجات الألماني ماركوس كايزر Markus Kayser في مدينة هانوفر في ألمانيا عام 1983. درس تصميم الأثاث والمنتجات ثلاثية الأبعاد في جامعة لندن ميتروبوليتان من عام 2004 حتى عام 2008. وفي عام 2009، واصل دراسة فن التصميم الصناعي في الكلية الملكية للآداب والفنون بلندن، وحصل منها على درجة الماجستير عام 2011، ليقيم بعد ذلك، في العام نفسه، أول ستوديو خاص به، في إحدى ضواحي العاصمة البريطانية لندن.

منذ بدأ العمل في تصميم الأثاث والمصابيح الكهربائية في ورشة ملحقة بمزرعة والده بالقرب من مدينة هانوفر وحتى يومنا هذا، نجح كايزر في تطوير منهجية إبداعية في النظر إلى المواد الخام، وطرق معالجتها، وتقنيات تحويلها إلى مواد استعمالية؛ حيث يعتبرها جميعًا عوامل يمكن تفعيلها – مع ما تجود به الطبيعة من حولنا – للحصول على مزيج فريد يعبر – ليس فقط عن قدرة الآلة – وإنما أيضًا عن إبداع الإنسان، وتجليات الطبيعة. فهذه المنتجات – كما يصفها كايزر – يمكن أن ترتبط بنا، وأن تتحدث عن شيء آخر يتجاوز صفاتها النفعية.. كل ما علينا القيام به هو سبر أغوار الطبقات المكونة لهذه الخامات، وعلاقتنا بها من حيث كوننا ننتمي جميعًا إلى طبيعة واحدة.


يلعب التجريب دورًا محوريًا في تطوير تصميمات كايزر؛ إذ تعرض منتجاته الأخيرة منهجية تسعى إلى استكشاف ذلك الهجين الفريد الذي يربط بين التكنولوجيا الحديثة من جانب، والطاقة الطبيعية من جانب آخر، بما يضع طرق الإنتاج التقليدية المستخدمة حاليًا على المحك، ويبشر باستبدالها بطرق جديدة تساعد على توفير فرص إنتاج أكبر، وتكاليف أقل في عالم يشكو دائمًا من قلة الموارد وضعف الإمكانات.

فمن خلال طرق معالجة مبتكرة، يقدم كايزر دائمًا الدليل الواقعي على وجود تصور مسبق – يكمن خلف العمل البحثي ووراء النظرية – لإبراز أبعاد جديدة لفكرة معينة، فيتحول المنتج من مجرد مادة جامدة إلى كائن يبث فيه كايزر من روحه ليحكي من خلاله قصة، ويوازن به بين الجدية التي ينضوي عليها المضمون، وروح الفكاهة التي ينضح بها الشكل، وهو ما يجعل منتجاته وأعماله التجريبية جذابة دون أن تفقد عمق المضمون.


وفي الإطار نفسه، يهدف ستوديو ماركوس كايزر المصمم حديثًا إلى طرح مناقشة عميقة حول إمكانية إنتاج تصميمات تجمع بين المعالجات والتقنيات الجديدة، وتلك التي عفا عليها الزمن، ومن ثم فهو يستلهم من العلم والفن والهندسة على السواء، ويهدف إلى تجسير الفجوة بين تخصصات تبدو دائمًا منفصلة.

يعمل كايزر حاليًا كمساعد باحث في مختبر MIT Media متعدد التخصصات (وهو مختبر تابع لجامعة كمبريدج، ويشجع على المزج الإبداعي بين مجالات بحثية لا تربطها علاقة ظاهرية)، حيث انضم مؤخرًا إلى فريقMediated Matter Group ، المتخصص في بحث كيفية توظيف التقنيات الرقمية والصناعية كوسيط بين المادة والبيئة لإحداث تحول جذري في تصميم وتنفيذ المنتجات والمباني والأنظمة.


الملبد الشمسي.. صناعة شيء من لاشيء

تقوم فكرة الملبد الشمسي Solar Sinter على صهر رمال الصحراء بواسطة الطاقة الشمسية، وتحويلها عن طريق الضاغط ثلاثي الأبعاد إلى منتجات استعمالية. وهكذا تنشأ من لاشيء – سوى رمال الصحراء وأشعة الشمس – أطباق وقوارير ومنحوتات خزفية رائعة.
بدأت التحضيرات الأولى لإعداد الجهاز في الصحراء المغربية، لينتقل بعدها كايزر إلى الصحراء المصرية، بالقرب من واحة سيوة، ليجري تجارب ناجحة على جهازه الجديد.


تقوم طريقة عمل الجهاز ببساطة على تجميع الحرارة – عبر تصميم خاص للعدسات – في بؤرة مركزة تؤدي إلى رفع درجة حرارة المحرق إلى أكثر من 2000 درجة مئوية؛ مما يؤدي إلى انصهار الرمل ليتخذ – عبر طبقاته المتعددة – شكل المنتج المطلوب.
قام ماركوس بتطوير آلته البسيطة لتقوم بمحاكاة تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلا أن هذه الآلة تستخدم حرارة الشمس بدلًا من التسخين باستخدام مصدر طاقة، كما تستخدم الرمال بدلًا من الراتنجات.

ويعتمد كايزر على وحدتين كهروضوئيتين لتحويل أشعة الشمس مباشرة إلى طاقة كهربائية لتشغيل الجزء الكهربائي والإلكتروني لفرن الصهر الشمسي.


كما لم يكتف كايزر بوضع البرنامج الحاسوبي الذي يتحكم في الضاغط ثلاثي الأبعاد بواسطة الطاقة الشمسية، وإنما صنع أيضًا ما يشبه “المقود” لتحريك العدسة، وهكذا يستطيع الجهاز متابعة الشمس تلقائيًا، وضمان الحصول خلال النهار على أفضل سقوط لأشعة الشمس.

ربما يقدم هذا النموذج الرائع فرصة متميزة لإحداث نقلة نوعية في عملية الطباعة ثلاثية الأبعاد، كما يمكن أن يشكل أيضًا ثورة صناعية وإنشائية في البلدان العربية، التي تتمتع بوفرة كبيرة في الرمال والشمس على مدار العام، أكثر من أي مكان آخر في العالم.

unnamed (1)


للتعرف أكثر على ماركوس كايزر وإبداعاته، طالع موقعه.

لمعرفة المزيد عن  الملبد الشمسي ومشاهدة الفيديو الخاص به على موقع ماركوس من هنا.

ألمانياإبداعابتكار

اترك تعليقاً علي المحتوي