الزراعة المائية..فكرة رائدة لمستقبل غذائي آمن

أحمد بركات
زراعة

تعد الزراعة المائية (Hydroponic Farming) أحد الأنشطة الاقتصادية التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ؛ فقد اعتمد عليها الفراعنة في مصر للحصول على نباتات تجمع بين المذاق اللذيذ والفوائد الصحية. كما تؤكد العديد من الدراسات أن حدائق بابل المعلقة – أحد عجائب الدنيا السبع – كانت تزرع بهذه الطريقة.

تقوم الزراعة المائية (الهايدروبونيك) على فكرة التخلي عن التربة الطبيعية، التي تحتوي على طمي وطين، واستخدام تربة صناعية مثل الأنابيب والأحواض المصنوعة من الصوف الزجاجي أو أحجار البرليت، وغيرهم من المواد الخاملة (أي التي لا تتفاعل مع المحلول المغذي)، مع ضخ كمية كافية من الماء والمغذيات المذابة.

وفي خضم التغيرات المناخية، وندرة المياه، وانحسار الرقعة الزراعية، وغيرها من الأزمات التي تجتاح العالم اليوم، تعود الزراعة المائية مجددا من غياهب الماضي، وتتلقفها العديد من المراكز البحثية والمؤسسات الاقتصادية كحل ناجع للعديد من المشكلات التي تواجهها البشرية اليوم.

فالزراعة المائية (أو فن الزراعة بدون تربة، أو الزراعة اللاأرضية) لا تحتاج إلى تربة زراعية، وتوفر 90% من حجم المياه التي تستهلكها طرق الزراعة التقليدية،كما أنها صديقة للبيئة؛ حيث أنها لا ينتج عنها مخلفات ضارة، فضلا عن أنها لا تستخدم مبيدات لمقاومة الآفات التي تصيب المحاصيل في الزراعة التقليدية؛ مما يجعلها أفضل من الناحية الصحية. كما يمكن ممارستها على المستوى المنزلي، سواء في حديقة المنزل أو على سطحه، أو حتى داخل المطبخ؛ للحصول على ما يلزم من الخضروات والفواكه، دون عناء أو تكلفة مادية باهظة.

تتعدد تجارب الزراعة المائية في العديد من الدول في السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل الدعم الحكومي الذي تحظى به. ففي أستراليا، أكدت دراسة أجرتها “هيئة التنمية والبحث الصناعي الريفي” الأسترالية مؤخرا أن الزراعة المائية قد نمت في السنوات العشر الماضية بمعدلات بلغت أربعة إلى خمسة أضعاف، وتمتد حالياً على مساحة تتراوح بين 20 ألف إلى 25 ألف هكتار، بقيمة زراعية تتراوح بين 6 إلى 8 مليارات دولار أمريكي.

وتتضمن الدراسة تحليلا مقارنا حول “استهلاك المياه في أستراليا بين الزراعة المائية والزراعة التقليدية” أكدت فيه أن الزراعة التقليدية تستهلك 160 ألف لتر من المياه لإنتاج محصول قيمته 100 دولار أسترالي من القطن، بينما تحتاج الزراعة المائية إلى 600 لتر فقط لإنتاج محصول بالقيمة نفسها.

أما التجربة الصينية، فقد نحت منحا رائدا في هذا النشاط؛ إذ تسعى إلى إنشاء مزارع مائية في البحار القريبة منها؛ للحصول على بعض المنتجات النباتية والمحاصيل الزراعية. ويجري حاليا زراعة بعض أنواع الطحالب والأشنات المائية، البحرية والنهرية، في أحواض خاصة، أو ضمن مساحات محددة في الأنهار والبحار.

جدير بالذكر أن انتاج هذه المزارع يشكل الآن جزءا رئيسا من النمط الغذائي لسكان الصين واليابان، وغيرهما من الدول الآسيوية؛ حيث تحتوي الطحالب على نسب جيدة من الدهون والكربوهيدرات والبروتينات وبعض العناصر المعدنية المهمة للجسم، وكذلك بعض العناصر الغذائية النادرة، فضلا عن استخدامها لتحضير بعض أنواع العلاجات وفي بعض الصناعات التقليدية.

وتحظى الزراعة المائية بدعم لا محدود من حكومات دول الخليج العربي، وعلى رأسها حكومة دولة الإمارات. من ذلك التمويل الذي منحه “صندوق خليفة لتطوير المشاريع” لـ 130 مزرعة، تعمل وفقا لنظام الزراعة المائية غير التقليدية، بقيمة 130 مليون درهم. وقد بدأت 10 من هذه المزارع توريد إنتاجها من الخضراوات إلى الأسواق المحلية بعد ثلاثة أشهر فقط من حصولها على مبلغ التمويل.

في هذا السياق أكد أحمد خلفان الرميثي، مدير برنامج “زرعي”، في “صندوق خليفة لتطوير المشاريع”، أن “الصندوق” وافق على التمويل في إطار مبادرة تم طرحها قبل نحو عام، بتوجيهات من سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك للحد من استهلاك المياه، وتعزيز الأمن الغذائي للدولة.

وتعد مصر مهد الزراعة المائية، حيث قدم القدماء المصريون هذا النموذج إلى العالم، ولعل نبات البردي أبرز الأمثلة على ذلك. كما توجد على جدران بعض المعابد رسوم ونقوش تشير إلى استخدام هذا النوع من الزراعة.

ويشير تقرير إخباري عرضته قناة CCTV، ضمن نشرتها الاقتصادية يوم الأربعاء 14 ديسمبر 2016، بعنوان “Hydroponic Farming Gaining Traction in Cairo” (الزراعة المائية تحرز نجاحا في القاهرة) إلى أن هذا النوع من الزراعة لا يزال ناشئا؛ إلا أن تراجع جودة التربة الزراعية، وندرة مياه الري، إضافة إلى تلوثها وارتفاع نسبة ملوحتها، فضلا عن طول الموسم الصيفي بدرجة لا تسمح بزراعة النباتات الشتوية بصورة فعالة ستجعل الزراعة المائية الخيار المستقبلي الوحيد.

كما يلفت التقرير إلى أن الزيادة السكانية، وتراجع مساحة الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة ستغير إجباريا خريطة الديموغرافيا المصرية، وستوجه حركة المجتمع آليا إلى الانسحاب من الدلتا باتجاه المناطق الصحراوية.

وأشار التقرير إلى أن هذا النوع من الزراعة يتطلب استثمارات كبيرة لإنشاء الصوب الخاصة بها؛ إلا أن هذه التكلفة تكون في البداية فقط؛ حيث لا يقل العائد المتوقع من هذا الاستثمار عن 30 إلى 40% في السنة، بالإضافة إلى توفير عوائد أخرى، مثل حماية صحة المستهلك لخلو هذه المنتجات من أي مواد كيميائية أو متركزات غازية ضارة.

وأكد التقرير أن بعض الشركات الناشئة في مصر قد أحرزت بالفعل نجاحات لافتة في هذا المجال، وأن أعدادها في تزايد مستمر، مثل شركة “إيجيبشن هايدروفارمز”، التي تأسست في يناير 2013 على طريق مصر – اسكندرية الصحراوي، ولا يقتصر نشاطها حاليا على تزويد السوق المصرية بحاجتها من النباتات الخضراء الطازجة والأعشاب الطبية فحسب، وإنما تقوم أيضا بتصميم وبناء وتشغيل المزارع التي تعتمد على الزراعة المائية للراغبين في العمل بهذا المجال.

كما توجد العديد من المؤسسات والجمعيات التي تسهم في تشجيع هذا الاستثمار، مثل جمعية عين البيئة التعاونية، التي نظمت في الفترة من 11 أكتوبر 2016 إلى 11 ديسمبر 2016 ورشة بعنوان “ورشة الهايدروبونيك”؛ للتعريف بكيفية الاستثمار في هذا المجال من حيث المعدات الخاصة به وأماكن شرائها، إضافة إلى أماكن الحصول على الشتلات والبذور والمحاليل المعدنية، وسائر احتياجات المشروع.

موقع إيجيبشن هايدروفارمز

صفحة جمعية عين البيئة التعاونية على الفيسبوك


مصادر الموضوع:

الزراعة المائية.. محاصيل من البحار والمحيطات من هنا
مزارع الإمارات توفر 90% من المياه، وتنتج الخس الأوربي من هنا
الزراعة المائية تعمل على تأمين سلة غذائية للسوق المحلي من هنا
“صندوق خليفة” يمول 130 مزرعة تعمل بنظام الزراعة المائية من هنا
هل الزراعة المائية حل لشح المياه في المنطقة العربية؟ من هنا
ثورة الهيدروبونيك.. هل تسهم في إنقاذ البشر من الموت جوعا؟ من هنا
احترف الهيدروبونيك (الزراعة بدون تربة) باستخدام المحاليل المغذية من هنا 
 National Aquaculture Sector Overview.. Australia
Improving Water-Efficient Irrigation: Prospects and Difficulties of Innovative Practices
Adaptation Strategies for Agricultural Water Management Under Climate Change in Europe
Hydroponics
Hydroponic Farming Gaining Traction in Cairo

استثماراستهلاكتربةزراعة مائيةصحيةطحالبمبيدات

اترك تعليقاً علي المحتوي