كيف تموت مبتسما !؟

عبد الله زكي
راندي-باوش

كنت قد أنهيت امتحانات عامي الجامعيّ الأخير لتوّي، في انتظار استلام شهادة التخرّج، وهي فترة انتقالية يمكن تشبيهها بحياة البرزخ التي تفصل بين عالمين. في هذا التوقيت تحديدًا، يبحث الواحد منا عن أي نقطة نور تخرِس الأصوات المتشائمة التي تتردد في عقله، وتنقذه من خيبات أمل متكررة قد يحملها له المستقبل.

كانت المرحلة مناسبة تمامًا للبحث عن عناوين كتب التنمية البشرية البرّاقة، وحضور دوراتها المسلية، وهي للحقيقة أشياء ذات تأثير خادع، يختفي سريعًا كرائحة العطر المغشوش، والسبب في رأيي خلوها من الصدق، كان هذا ما لمسته إلا شيئًا واحدًا؛ المحاضرة الأخيرة.

في الوقت الذي كنت أستعد فيه لطيّ صفحة التعليم الجامعيّ،مشوّش الذهن مرتبكًا، ومتخوفًا من مجهول قادم من المستقبل، كان هناك رجل على الجانب المقابل من العالم، يطلق النكات، وينشر الحكمة، ويُلهِم العالم على خشبة مسرح جامعيّ، وللمفارقة كان مثلي ينتظر مجهولاً هو الآخر، ولكنه من نوع مختلف.

بقميصٍ قصير الأكمام يشبه تمامًا ذلك الذي يرتديه عمّال مطاعم الوجبات السريعة، دخل أستاذ الحاسوب الأمريكيّ راندي بوتش إلى قاعة جامعة كارنيجي ميلون الممتلئة عن آخرها لإلقاء محاضرته الأخيرة؛ الأخيرة حرفيًا.

وقف الجميع للترحيب به بتصفيق ممزوج بالشفقة والرثاء. أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهن الحاضرين، أهمها على الإطلاق أي شيء سيتحدث عنه رجل مصاب بالسرطان بعد أن أصبحت وفاته مؤكدة في غضون أيام قليلة؟ توقع الجميع خطاب رثاء ينعي فيهنفسه، ولكنه أحرج الجميع حين بدأ الحديث.

اعتادت جامعة كارنيجي ميلون أن تنظم سلسلة من المحاضرات بعنوان المحاضرة الأخيرة تطلب فيها من أبرز أكاديميها إلقاء محاضرة تلخّص تجربتهم وينقلون فيها حكمتهم للطلاب. وفي الوقت الذي طُلِب فيه من راندي بوتش – صاحب الـ 46 ربيعًا وقتها – إلقاء المحاضرة كان مصابًا بسرطان البنكرياس وقبل المحاضرة بشهر فشلت كل محاولات العلاج وأكد له الأطباء وفاته يقينًا في غضون أشهر قليلة، فكانت بالفعل محاضرته الأخيرة على وجه الحقيقة لا المجاز.

حاولت زوجته أن تثنيه عن إلقاء المحاضرة، لأن إعدادها سيتستغرق منه جهدًا ووقتًا هي وأولادها الصغار أولى به، والجامعة ستلتمس له العذر، لكنه أخبرها أن سيقدمها تحديدًا من أجل أولاده، معللًا قراره بأنه ليس رسامًا ليترك لهم لوحة ولا موسيقارًا ليترك لهم معزوفة موسيقية، ليس أمامه إلا هذه الفرصة لكي يعلمهم فيها ما كان له أن يعلمهم إياه أثناء غيابه عنهم في الأعوام القادمة.

“سأحدثكم عن الأحلام التي راودتني في طفولتي ومساعدتي للآخرين على تحقيق أحلامهم والدروس التي استفدتها من ذلك”. هكذا فاجأ الجميعَ في القاعة.من العمل في ديزني للسفر إلى الفضاء وما بينهما، ظلّ راندي يسرد أحلامه الطفولية واحدًا تلو الآخر، مصحوبةً بصور مبهجة، وكلما انتقل للحديث عن حلم آخر، كان يرجع في العمر ويزداد شبابًا، وكأنه أراد أن يخرج لسانه للموت.

لم يكن في حال إنكار للذات، بل عرض صورًا أمام الجمهور توضح الأورام التي تنتشر بكثرة في جسده، وأخبرهم بأنه اتخذ خطوات تُسهِّل حياة عائلته بعد وفاته للإشاره إلى إدراكه ووعيه بالخطر الذي يهدده، بل وقبل أن يبادر أحد بسؤاله من أين له بهذه القوه، أجاب”إنني لا أملك تغيير أوراق اللعبة ولكن يمكنني استخدامها على الوجه الأمثل” وكان يكرر من وقت لآخر”إن كان كُتبَ عليّ مفارقة الحياة بعد وقت قصير، فسأحوله إلى وقت للمرح. سأكرسه كله للمرح. ما فائدة الحزن”.

على مدار أكثر من ساعة بقليل، لم يتحدث عن مرضه، ولا إنجازاته، ولا عائلته، بل عن أحلام الطفولة، وبين كل لحظة وأخرى يلقي دعابة أو ينشر حكمة أو يبث أملًا. “ما وجِدت الجدرانُ إلا لتعيقَ من لا يصرّ بشدة على الوصول لهدفه” .. “أطلق العنان لإبداع أطفالك. لو أرادوا طلاء جدران البيت، دعهم يفعلونها خدمة لي ولا تقلق بشأن قيمة البيت عند إعادة بيعه” .. “الخبرة هي ما ستكتسبه عند إخفاقك في الحصول على ما أردته” .. “عندما أريد العودة في الزمن، أضع قلمًا من علبة ألوان الرسم تحت أنفي وأشمه.. لا تنسوا أحلام طفولتكم”.. “إن أحبطتك أفعال الآخرين، وأثارت غضبك، فلربما كان السبب في ذلك أنك لم تمنحهم الفرصة الكافية. اصبر وسترى منهم خيرًا في النهاية، حتى ولو جاء ذلك بعد أعوام طويلة”.. “الوقت هو كل ما نمتلكه، وربما يأتي يومًا نجد أنه أقصر مما كنا نعتقد”.. “إن لم ينتقدك أحد، فاعلم أنك لم تعد ذو قيمة لهم”.

هذه عبارات قليلة من تلك التي أطلقها على مدار 75 دقيقة وتضمنها كتابه الملهم بعنوان المحاضرة الأخيرة أيضًا. ليست عبارات جديدة، بل تمر عليك كثيرًا في رواية أو كتاب أو محاضرة ولا تلقي لها بالًا. لكن الفارق هنا أنها صادقة، صادقة تمامًا. لم يكن راندي متصنعًا أو مدعيًا لشجاعة وهمية في مواجهة الموت أمام الناس، تقول نائبة رئيس جامعته، أنها رأته في مرضهالأخيروهو يقود سيارته، باسطًا ذراعه على نافذة باب السيارة الخارجي، تاركًا الهواء يداعب شعر رأسه، بينما ينسجم هو مع صوت الموسيقى المنبعث من السيارة، وعندما اقتربت منه أكثر بسيارتها تأكدت أنه راندي وقالت “هذا هو التجسيد الحقيقي لمعنى رجل يعيش يومه ويستمتع بلحظته”. كان حقيقيًا.

خذل راندي الجميع حين رأوه في صحة أفضل حالًا من كثير منهم، خالف جميع توقعاتهم. كيف وصل لهذه النقطة من الطمأنية والتصالح مع النفس قبل الموت؟ ربما لأنه عاش طفلًا، رافق أحلام الطفولة طيلة حياته، والأطفال لا يقلقون، لا يخشون المستقبل، يبتسمون دائمًا، لا يشيخون ولا يعرفون معنى الموت. رجل مشرف على الموت يتحدث عن الأحلام والطموحات والحياة، بينما يجلس يشاهده شاب جامعيّ مهموم – من وراء الشاشه – لو اُتيح لك أن تتسلل إلى عقله، فسترى خيوطًا متداخلة ودوامة لا تنتهي من التفكير، آلاف من السيناريوهات المحتملة التي يتخيّلها لمستقبله.

لم يكن ملهمًا لي فقط، بل في نهاية المحاضرة، نال إشادة وتصفيقًا مبهرًا، لكنه لم يكن هذه المرة بداعي الشفقة. وكعادته فاجأ الجمهور مرة أخرى عندما قال لهم ما سمعتموه ليس موجهًا لمن في القاعة. بل لأولادي الصغار. كان راندي يتمنى أن يجلس أمامه في القاعة 200 شخص فقط كي تكون للمحاضرة – على حد تعبيره – مصداقية عندما يراها أولاده لاحقًا. فأكبرهم كان عمره 5 أعوام، لذا أراد أن يترك لهم إرثًا، وأن يكون حاضرًا معهم في المستقبل عبر هذه المحاضرة والكتاب الذي ألّفه بعدها.

لكن ما حدث أن القاعة امتلأت عن أخرها، وتابع المحاضرة 10 ملايين متابع في أول أسبوع من نشرها على اليوتيوب، وتصدر الكتاب مبيعات الكتاب، وأصبح راندي خلال شهوره القليلة المتبقية ملهمًا لكثيرين، وتصدرت قصته الصحف الكبرى أنذاك، واستضافته “أوبرا وينفري” في برنامجها الشهير، وجاء على قائمة التايم لأكثر 100 شخصية مؤثره على مستوى العالم في عام وفاته، وامتلأ بريده بآلاف الرسائل من هؤلاء الذي صار ملهمًا لهم، إلا واحدًا، قرر أن يكتبها له الآن. “شكرًا راندي بوتش”.

للاستمتاع بالمحاضرة من هنا

لقراءة الكتاب من هنا 

ولمشاهدة عرض مختصر في شكل حكايات لمحتويات الكتاب، اضغط على الرابط التالي

 

أحلامإلهامإنكارابتسامسرطانطفولةمحاضرةمرحموت

اترك تعليقاً علي المحتوي