المشاء..15 عامًا سيرًا على الأقدام

أحمد بركات
unnamed

عندما حلت ذكرى ميلاده الحادية والستين، قبل ما يقرب من 20 عامًا، قرر “ميريديث إيبرهارت” أو “نيمبلويل نوماد” – كما يحلو له أن يطلق على نفسه – الاحتفال بهذه المناسبة بطريقته الخاصة، فحزم أمتعته، وغادر منزله في رحلة سير طويلة في الجبال يُقًدرها بـ 10 ملايين خطوة (ما يعادل 4400 ميل).

ولم يكد ينتهي من هذه الرحلة حتى بدأ رحلة أخرى، ثم ثالثة، ثم سلسلة لا تنتهي من رحلات تشبه حياته التي تشعبت بها الدروب؛ حيث نفض عن كاهله كل متاع الدنيا، وأسلم زمامه لمسير أبدي، جاب خلاله الولايات الأمريكية “التي عبثت بها أيدي الصناعة في رحلة بحث يائسة عن السلام المفقود”.


في محراب الطبيعة

يتحدث عنه رفقاء المسير في الجبال كأنه قادم من عالم الأساطير؛ إذ يقولون – فيما يقولون – أنه انتزع أظافر أقدامه العشر بعملية جراحية ليسلم من الإصابة بالتهابات الأقدام، وأنه لم يكن يكلف نفسه مؤنة حمل أي ملابس أو أحذية غير التي يرتديها، كما لم يكن يصطحب معه كتبًا، أو حتى ’ورق حمام‘، ولم يودع صندوق إسعافاته الأولية سوى قليل من الضمادات، وكثير من الأسبيرين، وكان يردد: “التخفف من الأحمال يعني التخفف من المخاوف؛ إذ أن كل شيء نحمله يمثل خوفًا كامنًا، سواء من مرض أو من سأم أو غير ذلك، حتى الطعام لم يكن يمثل له أكثر من تعبير عن خوف خفي من الجوع”.

على مدار 15 عامًا، كان إيبرهارت قد قطع مسافة 34 ألف ميل سيرًا على الأقدام؛ حيث أتم أولًا ما يطلق عليه “ممرات التاج الثلاثي للمسافات الطويلة”، وهي: ممر جبال أبالاشيان (2200 ميل)، وممر الباسيفيك كريست (2650 ميل)، وممر خط التقسيم القاري (3100 ميل). وفي عام 2013، واصل المسير والمسيرة باجتيازه جميع الممرات الوطنية الإحدى عشر ذات المناظر الخلابة. وبهذه المناسبة – التي صادفت الاحتفال بذكرى ميلاده الخامسة والسبعين – اكتنفه شعور غامر بالزهو، فقرر تعليق حذاء المشي الخاص به على أحد جدران منزله لدى عودته كوسام يتيه به.

وفي الربيع التالي، عاد إيبرهارت إلى بيته ليعلن عزمه على خوض غمار رحلة سير شاقة جديدة من نيو مكسيكو إلى فلوريدا، ليكمل ما أسماه “الدائرة الأمريكية العظمى”، التي تربط الأطراف الأربعة للقارة الأمريكية، مؤكدًا أنها ستكون رحلته الأخيرة.


في دروب الحياة

ولد إيبرهارت عام 1938 في مدينة هادئة في كنف جبال أوزاركس. لم تكن حياته في طفولته – كما يروي – تختلف كثيرًا عن حياة “هك فين” (بطل رواية “مغامرات هكلبيري فين” الشهير)، حيث كان ينفق نهار الصيف الطويل في الصيد وركوب الخيل، بينما يخرج في فصل الخريف مع أبيه – الذي كان يعمل طبيبًا – غير بعيد لصيد طائر السمان.

في مقتبل شبابه، انضم إيبرهارت إلى مدرسة متخصصة في علوم البصريات، وبعد تخرجه تزوج، وأنجب طفلين، وانتقل للعيش في مدينة تيتوسفيل بولاية فلوريدا، حيث جاد عليه الزمان بدخل مادي مرتفع، فضلًا عن السعادة التي كان يجدها في مساعدة الآخرين على استعادة أبصارهم. رغم ذلك.. كان يجد وحشة في نفسه.

في عام 1993، تقاعد إيبرهارت عن العمل، وانتقل للعيش بمفرده في ولاية جورجيا، حيث غدا ينفق جل وقته في بيته الجديد بجوار خليج “نيمبلويل” (الذي اتخذ اسمه لاحقًا كاسم له). كان هذا إيذانا بحالة من الاغتراب عن أسرته تمخضت عن خمس سنوات عجاف كان يقول أنه لا يذكر الكثير عنها، أو ربما لا يرغب أن يتذكرها.


كان منزله الجديد قريبًا من قاعدة جبل “سبرينجر”، الذي كان يتسلقه بصورة دورية. بعد ذلك، تطورت الرحلة إلى السير في الممر المخصص للمشاه في جبال أبالاشيان على مراحل، حتى بلغ ولاية بنيسلفانيا. في نهاية عام 1997، أصيب إيبرهارت بانسداد في القلب، ونصحه الأطباء بتركيب جهاز لتنظيم ضربات القلب، لكنه – بدلًا من ذلك – قرر مع مطلع عام 1998 الانطلاق في ملحمته الأولى و’أوديسته‘ الخاصة، التي بلغت 4400 ميل، من ولاية فلوريدا إلى مقاطعة كيبيك في كندا.

بدأت الملحمة – التي قررفيها إيبرهارت أن يتخذ لنفسه اسم “نيمبلويل” – في مستنقعات فلوريدا، ثم اتجه شرقًا إلى الأراضي التي تغمرها الفيضانات، حيث كانت المياه تغطي وسطه في بعض الأحيان، ولم ينتهي العام حتى بلغ مقاطعة كيبيك.

على مدار هذه الشهور، جدد إيبرهارت إيمانه العميق بالإله القادر عبر صحوة دينية لم تلبث أن حجبت أنوارها وعورة الجبال المتجمدة التي انبرى فيها يناجي ربه: “لماذا تخليت عني سريعًا في هذه الجبال الموحشة؟”، لكن القدر كان رحيمًا به؛ حيث توقفت العاصفة الثلجية، مما ساعده على الوصول إلى قمة جبل جاك كارتييه فيما أسماه “الحضور الدافيء للمشيئة الإلهية الرحيمة” الذي أشعل مجددًا جذوة إيمانه. وبعد الوصول إلى نهاية الممر عاد أدراجه صوب الجنوب، في مسير انطلق من ميامي وحط في فلوريدا كيز عبر مسافة تصل إلى 178 ميل.


المشاء الفيلسوف

عاد إيبرهارت إلى منزله على غير الهيئة الي خرج بها، حيث توقف عن الاستحمام، وترك شعره دون تهذيب، وشرع في التنازل عن جميع ممتلكاته، وحرق – على مدار ثلاثة أيام، في الحديقة الأمامية لمنزله – أغلب الكتب التي جمعها طوال حياته.

وفي عام 2003، انفصل إيبرهارت عن زوجته، وتنازل لها ولولديها عن منزله وأرضه القريبة من خليج نيمبلويل، وسائر ما تبقى له من حطام الدنيا بعقد غير قابل للإلغاء، ولم يعد له مصدر للدخل سوى شيكات الضمان الاجتماعي الزهيدة التي كانت في أغلب الأحوال لا تفي بطعامه وشرابه حتى نهاية الشهر. لكنه حصل مقابل ذلك على حرية المشي طوال الوقت، التي تمثل – بالنسبة إليه – جزءًا لا يتجزأ من الحرية الإنسانية، التي كان يقدسها، حيث كتب: “كنت ألقي بالأحمال عن كاهلي على الطريق تحت قدمي، بطريقة بطيئة لكنها أكيدة المفعول”.

في هذا السياق يشير إيبرهارت: “كنت أقول لأصدقائي: ’كلما تخففت من ممتلكاتي، زادت سعادتي‘. إنني أتساءل: كيف ستصير الأمور عندما أتجرد من كل شيء؟ هكذا بدأنا، وهكذا سننتهي، وما أفعله اليوم هو استعداد مبكر لغد قادم لا محالة”.


كان إيبرهارت يؤمن إيمانًا عميقًا بأن تقسيم الحياة إلى حياة بدائية في البراري وحياة حضارية في المدن تقسيمًا مصطنعًا “اختلقه الإنسان؛ فهذا الرجل الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الوقوف هناك ليرمق من بعيد جبل أوليمبوس بحثًا عن السلام والهدوء والمعنى قد تجاوزته الحياة”.

أثناء رحلاته الأخيرة، كان إيبرهارت دائم اللجوء إلى المسكنات ليتغلب على آلامه، وإلى المكملات الغذائية ليقوى على المسير، الذي دفع ثمنه كسورًا في أربعة أضلع من جسده، إضافة إلى عظمة الساق والكاحل. ومع تقدم سنه ، وخور قواه أخذت رحلاته تقل تدريجيًا، لكن تبقى قدرته وإصراره على المسير حتى يومنا هذا ضربًا من المعجزات.

سأله يومًا أحد رفاقه: “هل تهاب الموت؟”، فهز رأسه بالنفي قائلًا: “لا أعتقد ذلك. لقد مات جدي في الغابات بأزمة قلبية داهمته في رحلة صيد، ومات أبي في حادثة ألمت به في الغابات أيضًا أثناء جمع بعض الحطب للتدفئة، وأنا على دربهما أسير”.  


unnamed (1)

unnamed (2)


*مادة هذا الموضوع هي ترجمة بتصرف من مقالة على هذا الرابط.

**هذا الموضوع من كتاب On Trails: An Exploration، للكاتب “روبرت مور” للاطلاع عاليه من هنا.

رحلات

اترك تعليقاً علي المحتوي