أعواد بخور “خضراء” لتمكين المرأة

أحمد بركات
11949435_941167079257942_987376319870545530_n

بعد أن أنهى دراسة هندسة التكنولوجيا الحيوية في “المعهد الوطني لتكنولوجيا المعلومات” (NIIT)، في مدينة دورغابور الهندية، عمل “نيكيل جامبا” في مشروع بحثي متخصص في صناعة الورق من فطر عش الغراب. وبرغم أهمية الفكرة، ودورها في تقديم حلول جذرية لمشكلة قطع الأشجار من أجل الحصول على الورق، إلا أن التكنولوجيا دائمًا ما تتعثر في طريقها إلى الإنسان البسيط.

دفع ذلك بنيكيل إلى أن يكرس حياته لتجسير الفجوة بين ما تنتجه التكنولوجيا وما يحتاجه الفقراء في حياتهم اليومية؛ فتخصص في دراسة الريادة الاجتماعية في “معهد تاتا للعلوم الاجتماعية” (TISS) في مومباي. وكجزء من دراسته، كان عليه أن يذهب ضمن فريق من المعهد إلى إحدى القرى النائية في منطقة “جابوا”، التابعة لولاية “ماديا براديش”.

كان عمل الفريق يقتضي التواصل مع أهل القرية طوال النهار، ثم الإيواء إلى المعبد ليلًا. وأثناء فترة إقامته، لاحظ نيكيل أن سكان القرية كانوا يتخلصون من نفايات الزهور، التي كانت تملأ أرجاء المعبد، بطريقة خاصة، حيث كانوا يلقون بها – دون غيرها من النفايات – في المياه الجارية أو تحت الأشجار، لما لها من قداسة (وفقًا لمعتقداتهم الدينية).


راودت نيكيل فكرة الاستفادة من هذه المخلفات؛ فعكف على دراسة إدارة النفايات Waste Management، التي كشفت له أن الزهور تحتوي على نسبة عالية من الكربون يمكن الاستفادة منها في صناعة أعواد البخور.

تعتمد أعواد البخور التقليدية على الفحم كمادة خام تحتوي على الكربون؛ مما يجعلها قابلة للاشتعال. وإذا كان الفحم يحتوي على الكربون في حالته الأرضية (ground state)، فإن المادة العضوية في الزهور الجافة تحتوي على الكربون في درجة الأكسدة +3، ولا تشتعل إلا إذا تغيرت هذه الحالة إلى درجة +4، وهو ما يجعل عملية الاحتراق أسهل، وتتطلب طاقة أقل. كما أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من احتراق أعواد البخور تتراجع إلى حدودها الدنيا بسبب هذا التغير في المادة الخام، مما يجعلها أكثر توفيرًا للطاقة.

وبعد إجراء بحوثه الأولية، أفضى نيكيل بفكرته إلى أخيه، “بريتام” – الطالب في “معهد تكنولوجيا المعلومات” (IIT) في مدينة كانبور – الذي عرضها بدوره على أساتذته بالمعهد، وعلى بعض العلماء المتخصصين، حتى توصلوا إلى المعادلة المثالية لتحويل مخلفات الأزهار إلى أعواد بخور، ليدشن الأخوان جامبا على أساسها مبادرة Green Wave “الموجة الخضراء”.


شملت المبادرة في البداية أيضًا إنتاج السماد من مخلفات الأزهار، إلا أن ضعف تسويق هذا المنتج، لا سيما في المناطق الريفية، جعل الاهتمام يتجه بالأساس إلى أعواد البخور التي لا غنى عنها في أي بيت، ومن أي طبقة اجتماعية أو طائفة دينية، في جميع ربوع الهند.

رغم ذلك، واجه المشروع في البداية بعض العراقيل، مثل إقناع كهنة المعابد بالسماح للأخوين جامبا بالحصول على مخلفات الأزهار “المباركة”، خلافًا للمعتقدات السائدة. وبعد جدل ديني حاد اعتمد فيه الأخوان على نظرية “التجسد الجديد” Reincarnation (إذ سيتم إعادة تدوير مخلفات الزهور، ومنحها الحياة مجددًا في صورة أعواد بخور) وافق الكهنة على الفكرة.

في المرحلة التالية، برزت مشكلة توفير أيدي عاملة للعمل في هذه الصناعة (المنافية للدين). بدأ المشروع بخمس نساء فقط أبدين استعدادهن للقيام بهذا العمل. وبالفعل، اضطلعت النساء الخمس بجميع مراحل الإنتاج، حيث تولت إحداهن جمع مخلفات الزهور، واثنتين التصنيع، واثنتين التغليف والبيع.


ولكن، بمجرد أن أثبتت التجربة فعاليتها، أبدت أعداد أخرى من المعابد اهتمامًا بالشركة الناشئة، لا سيما في ظل نجاح هذه الصناعة في توفير دخول إضافية للنساء الفقيرات.

شجع نجاح مبادرة “الموجة الخضراء” في كانبور الأخوان جامبا على الانتقال بمشروعهما إلى مومباي، حيث تم تشغيل أعداد كبيرة من نساء الأحياء الفقيرة، مثل حي “دارافي” وحي “جوفاندي مانكورد”. كما تم الاتفاق مع عدد من المعابد على تخصيص صناديق قمامة لمخلفات الزهور دون غيرها؛ حيث تبدأ عملية إنتاج البخور بتفريغ تلك الصناديق كل يومين لتجفيف محتوياتها، ثم سحقها، وخلطها بنشارة الخشب، ثم لفها مع أعواد البامبو للحصول على المنتج النهائي.

واليوم، تقوم شركة “الموجة الخضراء” بتحويل 300 إلى 400 كيلو جرام من مخلفات الزهور أسبوعيًا إلى 150 كيلو جرام من أعواد البخور، وتستفيد من العمل في المشروع 50 إلى 60 امرأة في كل من مومباي ووارانغال وحيدر أباد وكانبور، تحصل كل منهن على 150 إلى 200 روبية من فترة عمل تتراوح بين 3 إلى 4 ساعات.


إضافة إلى ذلك، أطلقت شركة “الموجة الخضراء” مشروعها الرائد لصناعة الألوان الخاصة بـ “مهرجان الألوان” Holi Colours (وهو مهرجان شعبي يحتفل به الهندوس في كل من الهند ونيبال وبنجلاديش وسريلانكا وباكستان) من مخلفات الزهور. كما تستعد خلال ثلاثة شهور من الآن لتقديم نموذج مزرعة رأسية صغيرة تصلح للمناطق الحضرية يتم فيها تحويل الزهور المستخدمة داخل المنازل إلى أسمدة.

ويؤكد نيكيل أن المجتمعات الدينية – مثل المجتمع الهندي – تحظى بالعديد من أماكن العبادة التي يتم فيها جمع أطنان من الزهور لتقديمها إلى الإله، دون وجود نظام للاستفادة منها بعد انتهاء الطقوس. وفي ظل تخلف أنظمة إدارة المخلفات، غدت هذه الزهور عبئًا على البيئة الهندية، وأسهمت في زيادة أكوام النفايات. ومن ثم، فإن هذا المشروع سيسهم في تمكين المرأة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، وإنما كفاعل أساسي في المحافظة على البيئة وتجديدها.


unnamed (1)

unnamed

20030895_1962198557333414_217904296_n

unnamed (3)

19988746_1962200680666535_2116285566_n


مادة هذا الموضوع هي ترجمة بتصرف  لموضوع على هذا الرابط.

يمكنكم الاطلاع على صفحة مشروع Green Wave من هنا.

إدارة النفاياتالهند

اترك تعليقاً علي المحتوي