بريدك الإلكتروني خزانة أسرارك الذاخرة

أبوالحجاج محمد بشير

يبشر الذكاء الاصطناعي بثورة في كل المجالات .. ثورة تطول تقنيات المعلومات والاتصالات وتجعلها أكثر ذكاءًا  لكي تفهمنا أكثر وتستطيع تلبية احتياجاتنا حتى قبل أن نطلبها.

ربما لاحظت أن “جيميل” يقترح لك الأشخاص الذين تراسلهم في فئات معينة من الرسائل، ويضيف بيانات الفنادق ورحلات الطيران تلقائيًا إلى خدمة التقويم والخرائط، وبعض تطبيقات البريد الإلكتروني تقترح لك الردود بناء على محتوى الرسائل نفسها. لكن كل هذا غيض من فيض الذكاء الذي ينتظر تطبيقات وبرامج بريدك الإلكتروني في السنوات المقبلة.

لم يعد يخفى على أحد أن صناديق البريد الإلكتروني هي ديوان الحياة المعاصرة وذاكرة المرء الرقمية، فما بها من بيانات ومراسلات مع الأسرة والأصدقاء والعمل تكفي لتكوين صورة عن شخصيتك وقاعدة بيانات ضخمة عن حياتك وميولك وتجاربك وخبراتك وطرق تفكيرك.


هذا المخزون الهائل من البيانات هو منجم ذهب لأي جهة أو شركة تريد تسويق منتجاتها، فليس هناك وسيلة لمعرفة احتياجاتك أفضل من بريدك الإلكتروني الذي يمثل وثيقة حية لشخصيتك وتفضيلاتك وما يمكن أن يناسبها من منتجات وخدمات.

حتى تحقق برامج الذكاء الاصطناعي الفائدة المرجوة منها، تحتاج إلى كميات كبيرة من بيانات التدريب، وليس هناك مصدر مثالي مثل البريد الإلكتروني، فهو يحتوي على سنوات من البيانات والمعلومات الشخصية المحددة التي تكشف تفضيلاتك من الماركات والعلامات التجارية والأطعمة ومواقع الويب والسلع والخدمات والألفاظ المفضلة وحس الفكاهة بل والعلاقات الشخصية والاجتماعية.

خلال ثوان معدودات، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة فحص وتحليل سنوات طويلة من الرسائل والفواتير وتأكيدات طلبات الشراء من أمازون والدعوات للمناسبات، وتأكيدات الفنادق وحجوزات رحلات الطيران للتعرف على التفضيلات بسرعة وعلى نحو من الشمول يفوق كفاءة أي مساعد بشري. وستكون أقدر على تقديم اقتراحات ذكية باستمرار، مما تتعلمه من محتوى بريدك الإلكتروني وملايين غيرك.


أما قائمة العناوين فتقدم لأدوات الذكاء الاصطناعي دليلًا تفصيليًا بالأشخاص الذين نتواصل معهم بالإضافة إلى رسائل البريد الإلكتروني. وفي كل مرة تكتب فيها عنوان البريد الإلكتروني لأحدهم، تستعين هذه الأدوات بالبيانات من الخدمات الخارجية والحزم الوسيطة للتطبيقات، وتستخدم هذه البيانات في البحث عن معلومات على تويتر وفيسبوك ولينكيدإن وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي الحالية والمستقبلية. وربما تطلب الخدمات الخارجية تصريحًا أو إذنًا لاستخدام رسائلنا الإلكترونية لكي تفهمنا عن قرب وتقدم لنا خدمة وثيقة الصلة باهتماماتنا.

تخيل هذا السيناريو: سنفترض أنك شخص كثير السفر، ولك اختيارات معينة في كل مرة تسافر أو تحجز فيها تذاكر الطيران. فأنت مثلًا تفضل الكرسي بجوار الشباك، وتفضل وجبات الدجاج، والرحلات الصباحية. تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي استنتاج كل ذلك من بيانات حجوزات الطيران وتأكيدات الحجز مع شركات الطيران، وتكون صورة “معلوماتية” عن شخصيتك وتفضيلاتك في السفر. وعند البحث عن رحلتك القادمة، ستفرز خدمة البريد الإلكتروني الرحلات ليس بالسعر ولا بوقت السفر ولكن بالمعلومات التي كونتها عنك.


وأثناء حجز الرحلة، بإمكان برنامج البريد الإلكتروني أن يفعل أكثر من مجرد استلام تأكيد السفر، إذ يمكنه تعبئة بياناتك في شركة الطيران واختيار مقعدك المفضل وإخبارك بأرخص أو أفضل رحلة (بناء على شخصيتك). ليس هذا فحسب، بل ستضع تذكرة صعود الطائرة في مقدمة صندوق الوارد قبل رحلتك بساعة، وتخزنها تلقائيًا بعد إقلاع طائرتك… كل هذا من برنامج بريدك الإلكتروني فقط.

تتسابق الشركات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تخصيص تجربة التعامل معك، والبريد الإلكتروني هو المصدر الوحيد الذي يذخر ببيانات الشركات ومواقع الويب والأشخاص الذين تعاملت معهم. ولهذا، سيصبح البريد الإلكتروني مصدرًا حيويًا لإنشاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي المفيدة التي تتميز بأكبر مستوى من التنوع والاكتمال. لقد حان الوقت لكي نطلق القيمة الحقيقية لآلاف الرسائل المهملة في بريدنا الإلكتروني.

البريد الإلكترونيتكنولوجيا

اترك تعليقاً علي المحتوي