دكتور “في” ومكافحة العمى على طريقة ماكدونالدز

أحمد سمير
18928499_1939318849621385_1248396951_n

اسمه دكتور “في”، وهو ليس بطلًا من أبطال الروايات البوليسية أو مكافحة الجريمة، لكنه كافح المرض في بلاده وحقق انتصارات عظيمة. وهو كذلك ليس طبيبًا من أبطال إي آر أو جرايز أناتومي. لكنه كان بطلًا من أبطال الطب في عالم الواقع .

اسمه بالكامل غوفيندابا فينكاتاسوامي Govindappa Venkataswamy، طبيب هندي ولد في العام 1918 في إحدى قرى الهند. تلقى تعليمه الجامعي في الكلية الأمريكية  بمادوراي بولاية تاميل نادو الهندية حيث حصل على شهادة الكيمياء ثم الطب من نفس الكلية. بعدها انضم إلى الجيش، لكنه تقاعد نظرًا لإصابته بمرض الروماتويد الذي جعله في وقت من الأوقات طريح الفراش عاجزًا عن المشي أو الإمساك بالقلم. لكن المدهش أنه عاد إلى دراسة الطب ليحصل على الماجستير في تخصص الرمد الدقيق، وليتعلم استخدام المشرط بعد جهد ليقوم بجراحات المياه البيضاء، ليصل عدد الجراحات التي يقوم بها إلى أكثر من مائة جراحة في اليوم الواحد.


لكن هذا لم يكن كافيًا للطبيب الطموح الذي صار رئيسًا لقسم الرمد في كلية طب مادوراي. كانت مشكلة العمى تؤرق الرجل الذي كان يحلم بالقضاء عليها نهائيًا في الهند. تشير بعض التقديرات إلى أن ربع المصابين بالعمى في العالم يعيشون  في الهند. لم تكن المشكلة فقط في توفير العلاج، لكنها كانت أيضًا في جهل المرضى بوجود العلاج. فأغلب المرضى المصابين بالمياه البيضاء في قرى الهند لم يكونوا يدركون لماذا أصيبوا بالعمى، أو يعلمون أن جراحة تستغرق عدة دقائق يمكنها أن تعيد إليهم نور الإبصار. بدأت المحاولات ببرامج على شكل معسكرات  لعلاج حالات الرمد من خلال عيادات متحركة تصل إلى القري الفقيرة والبعيدة في العام 1960، ثم مركز لإعادة تأهيل المكفوفين في 1966، مع مواصلة عمله كجراح ليصل عدد الحالات التي قام بها إلى قرابة مائة ألف حالة. هذه الإنجازات أهلته ليحصل من الحكومة على جائزة بادماشري  Padmashree award في عام 1973  التي تقدم للمواطنين الذين قدموا خدمات جليلة للأمة.

في سن الثامنة والخمسين تقاعد دكتور “في” من وظيفته الحكومية، لكن حلمه ظل يؤرقه.كان معجبًا بالنموذج الذي تقدمه ماكدونالدز (سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الشهيرة) في كفاءة عملية تجهيز الوجبات عبر عدة خطوات، وكذلك اتباع معايير الجودة والاستمرارية مع التحكم في التكلفة حتى مع تزايد عدد الطلبات. كان دكتور “في” يحلم بنظام شبيه يسهم في القضاء على مشكلة زيادة قوائم انتظار المرضى. في عام 1976 قرر أن يسعى لتحويل الحلم إلى حقيقة.


بدعم من عائلته، أنشأ مستشفى أرافند Aravind للرمد في مادوراي، كمؤسسة غير ربحية تهدف لتقديم خدمة عالية الجودة لكل المرضى الذين يحتاجون إليها. في البداية كانت المستشفى تحتوي على 11 سريرًا و يديرها أربعة أطباء. كانت المهمة واضحة بالنسبة له “علينا أن نتخلص من حالات العمى التي لا داعي لها”. يومًا بعد يوم بدأت المستشفي تكبر وتزداد فروعها لتنجح في مساعدة ملايين المرضى في الهند الذين كان أغلبهم يعاني من المياه البيضاء.

لم تكتف المستشفيات بأداء دورها كمركز للعلاج، لكنها ساهمت أيضًا في إقامة معسكرات وعيادات في الأماكن البعيدة لتعليم المرضى وذويهم عن المشكلة ووجود العلاج. من خلالها أيضًا تم تأسيس مراكز في المناطق الريفية لتقديم خدمات الفحص الأولي والعلاج الأساسي وتوفير النظارات الرخيصة للمرضى. إذا احتاج المريض إلى جراحة، يتم دعوته مع مرافق إلى أقرب فرع من فروع المستشفى التي تتحمل كل تكاليف الانتقال والجراحة. نجحت أرافند في إقامة أكثر من 1000 معسكر للفحص والاكتشاف المبكر وفي إجراء أكثر من مليون عملية مياه بيضاء. هذه الأرقام تمثل تقريبًا خمسة أضعاف العمليات التي تم إجراؤها في البلاد وحوالي 16 ضعف عدد العمليات التي تم إجراؤها في الولايات المتحدة بكاملها.


لكن النموذج لم يكن ناجحًا فقط من الجانب الإنساني والاجتماعي، لكنه نجح أيضًا من الجانب المادي في تقديم نموذج لما يسمى بـ”الرأسمالية الرحيمة” من أجل تحقيق الاستدامة في تقديم الخدمة. فتكلفة الخدمة يتم الحفاظ عليها عند الحد الأدني الذي قد يصل إلى حوالي عشرة دولارات فقط للعملية الواحدة. أما رعاية المرضى وإنشاء المستشفيات الجديدة فيتم من خلال النفقات التي يدفعها المرضى المقتدرون الذين يحصلون على خدمة بجودة عالية، لكنها تظل أرخص من نظيرتها في المستشفيات الأخرى. هذه النفقات يتم استخدامها لتقديم الخدمة الصحية للمرضى الفقراء الذين قد يدفعون جزءًا صغيرًا من ثمن الخدمة أو لا يدفعون أي مقابل. ركزت أرافند على تدوير الأطباء بين الخدمات المجانية والمدفوعة، مع التركيز على الكفاءة ومكافحة العدوى لمنع حدوث أي اختلاف بين مستوى الخدمة الأساسية المقدمة في الحالتين، ليكمن الفارق فقط في وسائل الراحة الإضافية التي قد يطلبها المقتدرون.


لكن أرافند لم تكتف بكونها مجرد مستشفى للرمد، فقد توسعت لتصبح مؤسسة فريدة تقدم خدماتها في مختلف النواحي في هذا المجال. فمن أجل توفير العدسات اللازمة لجراحة المياه البيضاء أنشأت أرافند أورولاب Aurolab الذي أصبح ينتج سنويًا قرابة1.8  مليون عدسة بتكلفة تصل إلى دولارين فقط للعدسة الواحدة، يتم تصديرها إلى قرابة 85 دولة حول العالم. كما تم إنشاء عدة بنوك للعيون لتوفير القرنيات للمرضى الذين يحتاجون إلى زراعتها. بالإضافة إلى ذلك، فقد تم إنشاء معهد بحثي للرمد تحت اسم دكتور “في”.

اسمه دكتور “في”، وقد توفي في عام 2006 بعد أن حصد العديد من الجوائز والتكريمات العالمية، تاركًا ميراثًا لا يتم دراسته فقط كنموذج في الريادة الاجتماعية، لكن كحالة دراسية مثيرة للاهتمام يتم تدريسها في أهم كليات الإدارة في العالم.


18902807_1939318806288056_1500776627_n


unnamed (2)


المصادر:

الموقع الأول، الموقع الثاني ،الموقع الثالث ، الموقع الرابع.

العمىالهند

اترك تعليقاً علي المحتوي