“لا تقولي أنكِ خائفة”.. حلم عدَّاءة صومالية

إلهام محمد
Ct-7X5AW8AAQK5d

بِحذاء مُتهالك مليء بالثقوب وساقين صغيرين كَأغصان شجر الزيتون فازت العَداءة الصُومالية سامية يوسف عمر بأول سباق لها وحصلت على المركز الأول وهي في العاشِرة من عمرها، عادت من السباق وهي تحمل المِيدالية بفخر وبجانبها رفيقها ومُدربها علي الذي كان في نفس عمرها، وأثناء سيرهم هَبت رياح قوية واصطدمت بوجهها ورقة جرائد التقطتها لتجد فيها صورة محمد فرح العداء العالمي البريطاني من أصل صُومالي، لـ تعتبرها رسالة لتحفيِزها.

من هُنا بَدأ جوزِبَّه كاتوتسيلا الكاتب الإيطالي سرد روايته التي تحمل عنوان “لا تقولي إنكِ خائفة”، التي تتناول السيرة الذاتية للعداءة الصومالية سامية يُوسف عُمر، سامية يكبرها ستة من الأخوة والأخوات أقربهم لها وتعلقًا بها هودان ذَات الصوت المخملي، وبطفولة مَليئة بالبراءة والصخب والتمرد عاشت سامية طفولتها التي لم تَعر الحرب الأهلية المُندلعة بين القبائل والأحزاب و العنصرية بين السود والأكثر سواد من غيرهم  أَدنى اهتمام، لتسأل والدها ذات يوم ألا تخشى الحرب يا أبت؟!، فيجيبها ’’لا تقولي إنكِ خائفة أبدًا، وإلا فإن ما تخافينه سيتعاظم حتى يهزمك‘‘، وبهذه الكلمات كانت تستعيد قوتها كلما تَملكها الخوف.


استغلت الميليشيات كثرة الانقسامات بين القبائل في المُنافسة للاستيلاء على السُلطة، لتزداد جماعة الشباب “الأصوليين” قوة وتأثيرًا عن باقي الجماعات فقاموا بمنع سماع الأغاني وإغلاق جميع دور السينما وفرض ارتداء العباءة السوداء والبرقع على جميع النساء، ولم ينج الركض من قائمة الممنوعات، وعلى الرغم من العقاب الذي يحصل عليه من يخالف قوانينهم، إِلا أن والد سامية ووالدتها أخبروا بناتهم أنهم سيدعمونهم لتحقيق أحلامهم مهما حدث.

اضطرت قبيلة علي والكثير من القبائل الأخرى إلى الهجرة خوفًا من الموت المُحتم الذي يتربص بهم من قِبل جماعة الشباب، ليفترق علي وسامية بعدما كان كل منهم ظل الآخر، وبعد رفض الزواج المختلط بين القبائل كان على هودان هي الأخرى أن تقرر إما الرحيل مع زوجها أو أن تبقى مع أهلها لتتخذ قرارها بالبقاء، حاولت سامية التغلب على غياب علي بمضاعفة التمرينات، من أجل المشاركة في سباق هرجيسا شمال الصومال، وبالفعل فازت بالمركز الأول في السباق وحصلت على لقب أسرع امرأة صومالية، وتأهلت للمشاركة في سباق جيبوتي لتمثل بلدها.


بعد شهر واحد من فوزها أَطلق أحد المُلثمين طلقة على والدها لتودي بحياته في الحال، أخرجت سامية طاقة الحزن التي بداخلها بمضاعفة التمرينات، كما ضمتها اللجنة الأولمبية في الصومال بعد علمهم بفوزها في هرجيسا، وفور عودتها من سباق جيبوتي أخبرتها هودان بأنها سوف تهاجر فقد فقدت في الصومال فرقتها الغنائية وزوجها وأخيرًا والدها، وكعادة سامية في التخلص من حزنها ضاعفت التمرينات من أجل المشاركة في تصفيات أولمبياد بكين 2008، وبالفعل استطاعت الوصول إلى التصفيات النهائية في بكين، كانت أقصر المُتسابقات قامة وأكثرهُن نحافة وأصغرهم بنية، التفت الصحافة والتلفزيون حول فيرونيكا كامبل براون العداءة الجامايكية التي أحرزت المركز الأول، لكن ما هي إلا دقائق قليلة لتجد سامية نفسها محاطة بالصحافة والإِعلام لمحاورة ابنة السابعة عشر من عمرها التي أتت من بلد يعيش حَالة حرب ليس لديها ملعب ولا مُدرب وتعاني من سوء التغذية ومع ذلك تُقاتل بكل ما أوتيت من قوة لتحصد المركز الأخير، يومها وعدت نفسها أن تصل إلى دورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012 وتحصل على المركز الأول.

بعد عودتها من الصين أصبحت مُهددة من جماعة الشباب، ورغم الخوف استمرت في التمرينات، ليعود علي رفيق طفولتها ذَات ليلة بعد أن أصبح شابًا مُلتحيًا يرتدي جلبابًا أَسود، يترك لها كل ما يملك من المال من أجل أن يساعدها على تحقيق حلمها، وقبل أن يُغادر سرد لها ما حدث له خلال كل تلك السنوات، وأنه أمُر بقتل أباها من رئَيس الجماعة، ضريبة لدعمه لبناته الذين كانوا يطلقون عليهم “الفتاتان التخريبيتان”


لتُقرر سامية الرحيل فالوطن الذي حول رفيق طفولتها إلى وحش يقتل والدها الذي كان بمثابة والده، فهذا يعني أنها لا تمثل أدنى قيمة لوطنها، لتقبل عرض تريزا الصحفية الأمريكية التي أجرت معها حوارًا من قبل وعرضت عليها الرحيل، لتصطحبها إلى أديس أبابا وتعرفها على المدرب الذي سيقوم بتدريبها، لكنها لم تتمكن من التدريب حتى تأتي المستندات التي تثبت أنها كانت إحدى الرياضيات المُسجلة في اللجنة الاولمبية واللاجئة السياسية لبلد آخر، مضت شهور ولم تأت أي ورقة حتى توصلت لحل مع المُدرب أن تتدرب ليلًا دون علم أحد، دربها في البداية قليلًا ثم تركها وحدها دون توجيه أو إرشاد.

لتقرر في يوليو 2011 اللجوء إلى مُهربي البشر للرحيل من أَثيوبيا، دفعت لهم الكثير من المال الذي ترسله لها أمها وأختها هودان التي استقرت في يالطا، وقبل المال تنازلت عن كرامتها لتقبل أن تتعامل معاملة غير آدمية، لتصبح أكثر وحشية وكل ما تفكر فيه أن تبقى على قيد الحياة، ثمانية أشهر من المعاناة حتى وصلت إلى ليبيا، لتبحر أخيرًا إلى إِيطاليا لينفذ الطعام والماء بعد يوم ونصف وتتعطل المركب بعد ثلاثة أيام، وبعد مرور خَمسة عشر ساعة واقفة في الماء وصلت سفينة من إيطاليا لكن رُبانها قام بتهديدهم إِما أن يعودوا من حيثُ أتوا أو أن يتم استدعاء الشرطة الإيطالية، هَاج كل اللاجئون وهددوا ربان السفينة أنهم سوف يلقون بأنفسهم في البحر إِن لم يسمح لهم بدخول إيطاليا، لم يُغير قراره فألقى رجل نفسه في البحر الهائج وتبعه الكثير من الرجال والنساء لم يحاولوا الانتحار بل كانوا يريدوا أن يصلوا إلى حبال السفينة الإيطالية والصعود على متنها.


لتقفز سامية هي الأخرى وتصارع الأمواج لتجد من يُمسك بيدها ويرتفع بها إلى السفينة الإيطالية، وبعد وصولها لإيطاليا سَافرت لتشارك في أولمبياد لندن 2012، لتجد محمد فرح في استقبالها في المطار وتختتم الرواية بلحظة إِعلان بدء السباق، لكن هذه النهاية التي أرادها الكاتب أما النهاية الحقيقية فهي غرق سامية أثناء مُصارعتها الأمواج في الثاني من أبريل 2012، رُبما أراد كاتوتسيلا أن يُنهي روايته بما يُبث الأمل في نفوس القراء، لكن النهاية الحقيقية ليست مَأساوية فهي لم تلقي بنفسها في البحر يأسًا وإِحباطًا بل إصرارًا ورغبة في الوصول، وأيضًا بموت سامية مازال الحلم قيد التنفيذ لتخلفها منار ابنة أختها هودان التي تم تسجيلها في إحدى صالات الألعاب وهي في عمر الرابعة وكانت الأولى على فرقتها في السباقات التي خاضتها، كما تعتبر خالتها سامية مثلها الأعلى وتضع صورتها بجانب سريرها  مثلما فعلت سامية في صورة محمد فرح التي ظلت محتفظة بها حتى غرقت معها.

تعرف الكاتب على سامية في أغسطس 2012 عندما كانت إحدى القنوات الإخبارية تقدم تقرير موجز عنها عقب اختتام أولمبياد لندن التي فاز بها محمد فرح، ليبدأ البحث عن كل من يَعرف سامية وتمكن من الوصول إلى هودان ليتحدث معها كثيرًا ويعرف أدق التفاصيل حول ما عَانته سامية، ليقوم بتوثيق حلمها وصمودها بأسلوب شيق فبعض الأحداث لا يمكن التنبؤ بها، كما كتبها بصيغة الأنا ليترك سامية تعبر عن تطلعاتها وتروي قصتها.

صَدرت الرواية عام 2014 عن دَار نشر “فلترينيللي” إِحدى أكبر دور النشر وأعرقها بإيطاليا، وحازت على جوائز أدبية قيمة أهمها جائزة “كارلو ليفي” وجائزة “لو ستريغا” أهم جائزة أدبية في إيطاليا للأدباء الشباب، كما تُرجمت الرواية إلى كل اللغات الأوروبية وحصلت على ثَناء ملحوظ في الأوساط الثقافية الأمريكية، وبسلاسة ترجمها للعربية معاوية عبد المجيد.


لقراءة الرواية من هنا.

أدبالصومالرواية

اترك تعليقاً علي المحتوي