دينا عبد السلام: السينما المستقلة تغرد خارج السرب

منير عتيبة
22627443_2009944325892170_776307623_n

بينما كان كل المصريين مشغولون بمباراة كرة القدم بين مصر وأوغندا التي توقف عليها مصير الفريق المصري وتأهله للوصول إلى كأس العالم في روسيا 2018، وبينما كان السينمائيون مشغولون بمهرجان الجونة، كانت المخرجة المصرية السكندرية الشابة دينا عبد السلام تتلقى الخبر الأهم في حياتها الفنية حتى الآن حيث حصل فيلمها (مستكة وريحان- روائي 60 دقيقة) على جائزة أفضل فيلم روائي أجنبي في المسابقة الدولية (بمهرجان إل- دَب السينمائي) (L-DUB Film Festival) والذي أقيم بفلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 22-24 سبتمبر2017، وهو الفيلم الثالث للمخرجة التي تكتب أيضًا الرواية والنقد الأدبي، والحاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي وتشغل وظيفة أستاذ مساعد بقسم اللغة الإنجليزية، بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، هي أيضًا مخرجة أفلام روائية قصيرة وتسجيلية، حصلت أفلامها على العديد من الجوائز المحلية والدولية، كما أن روايتها الأولى “نص هجره أبطاله” صدرت في نهايات عام 2012. لم يلتفت الكثيرون لهذا الخبر المهم الذي يضع السينما المصرية المستقلة في موقع صدارة عالمية، لذلك حاور موقع (كلافو) المخرجة الشابة دينا عبد السلام.


-حصلت أفلامك على جوائز عديدة، كان أخرها حصول فيلمك الروائي “مستكة وريحان” على جائزة أفضل فيلم روائي أجنبي في المسابقة الدولية (بمهرجان إل- دَب السينمائي) (L-DUB Film Festival) والذي أقيم بفلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 22-24 سبتمبر2017، أعطينا فكرة عن الجائزة والمهرجان؟

في الحقيقة جاءت الجائزة مفاجأة لي حيث إنني لم أتوقعها على الإطلاق، خصوصًا وأن مشاركة الفيلم في هذا المهرجان تعد العرض العالمي الأول للفيلم، وحين يعرض فيلم لك للمرة الأولى على الجمهور (وفي هذه الحالة الصعوبة أكبر فالجمهور ليس مصريًا بل أمريكي، والفيلم له طابع شديد المحلية والخصوصية كونه يعج بالمفردات الثقافية المصرية) فكل ما تنتظره هو معرفة رد فعل الجمهور تجاه العمل، ولكن أن يحمل لك العرض الأول جائزة، فهي ومن دون شك مفاجأة سارة جدًا.

أما عن المهرجان، فهذه هي الدورة السابعة للمهرجان والذي يقام بجنوب فلوريدا للاحتفاء بالسينما المستقلة في مسرح ستونزك والذي يعد من أعرق المسارح الجماهيرية بالولاية إذ بدأ العمل به منذ 65 عامًا، وشارك في المسابقة النهائية 38 فيلمًا من دول مختلفة مثل إيطاليا، المملكة المتحدة، روسيا، نيبال، جورجيا، إسبانيا، العراق، كردستان، كوسوفو، أورجواي، كندا، أستراليا، وبالطبع الولايات المتحدة.


-ما هي السينما المستقلة وما أهميتها ودورها؟

بعيدًا عن الخلاف حول تسميتها بالسينما المستقلة أو البديلة أو ما إلى ذلك من أسماء، فهذا النوع من السينما يحاول الاستقلال عن قيود الإنتاج والتوزيع التي تفرضها شركات الإنتاج الكبرى والمهيمنة على صناعة السينما والسوق السينمائي، والتي تقدم نموذجًا سينمائيًا يضمن لها نجاحًا تجاريًا بناء على خلطة أو تركيبة جاهزة ومجربة مسبقًا مدفوعة بمصالح رأسمالية وليس فنية، بينما تحاول السينما المستقلة أو البديلة طرح أفكار مختلفة وأنماط جديدة مغايرة للذوق السائد الذي تم التكريس له من قبل شركات الإنتاج الضخمة، نستطيع القول بإنها سينما تسعى للتجريب وكسر الأنماط التقليدية والتغريد بعيدًا عن السرب من حيث الشكل والمضمون. ويجدر الإشارة إلى أنه قد ساعد على بزوغ هذا النوع من السينما ظهور الكاميرات الرقمية ووحدات المونتاج التي أصبحت أسعارها في متناول اليد إلى حد كبير، فاستطاع المخرجون الشباب إنتاج أفلامهم من دون اللجوء لشركات تفرض عليهم نمطًا بعينه، أو ترفض إنتاج مشاريعهم من الأساس.


-ما هي اقتراحاتك ليكون لدينا سينما مستقلة قوية ومؤثرة؟

طبعًا هذه مشكلة حاول الكثيرون إيجاد حلول لها وهي مشكلة عالمية، وأظن أن الدولة لابد وأن تلتفت لوجود هذا النوع من السينما وتدعم وجوده ليس فقط من خلال المهرجانات، لأن المهرجانات ما هي إلا كيانات منغلقة على النقاد والمثقفين ومريدي هذا النوع من السينما، ولكن من خلال تقديم الدعم المالي وإفساح المجال أمام توزيع هذه النوعية من الأفلام في قاعات العرض السينمائي، وأيضًا على شاشات التليفزيون، فيصبح لها جمهور أوسع ومن ثم تدر عائدًا لصناعها، الوضع الحالي ينطوي على احتكار أغلب دور العرض من قبل شركات الإنتاج والتوزيع الكبرى، فلا يبقى للسينما المستقلة منفذ سوى المراكز الثقافية، باستثناء بعض التجارب في مجال التوزيع والتي لا تزال خطواتها ضئيلة للغاية مقارنة بسطوة الشركات الكبرى وهيمنتها.


-ما الذي يدفعك إلى كتابة وإخراج أفلامك معًا؟

السبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الشيء الوحيد الذي يحفزني للإخراج هو رؤيتي الواضحة للموضوع وتأثري الشديد به، ربما يكون في ذلك أيضًا نزوع فطري مني لما يطلق عليه “سينما المؤلف” حيث لا يكتفي المخرج بكونه حرفي يجيد تقنيات الإخراج، بل تكون له رؤية وبصمة في النص الذي يتناوله بصريًا، فلا يكتفي بإخراجه فقط ولكن يبدأ معه رحلة الوجود ويتابع تطور الفكرة الجنينية حتى تنضج وتصبح خلقًا مكتملًا، فيصبح بذلك المهيمن على الشكل والمضمون معًا.


-أنت روائية وناقدة وأستاذة جامعية، ما أثر ذلك عليك كمخرجة؟

أعتقد أنها حلقات تكمل بعضها، فالأدب والسينما يشتركان في أمور عدة منها السرد والحبكة والشخصيات والصراع وما إلى ذلك من مقومات درامية، حتى البعد البصري في السينما تجده متجليًا في الأدب، فالوصف والاستعارة والكناية والمجاز تخلق صورًا مرئية في أذهان القراء، وقديمًا قال الشاعر والناقد الروماني هوراس أن “القصيدة مثل اللوحة” وهنا نجد أول إرهاصات البينية، فمغزى كلامه أن الشعر يتقاطع مع الفن التشكيلي لأن الكلمات تخلق صورًا ذهنية لدى المتلقي، فحين أسمع قصيدة عن الحرب مثلًا، أرى النيران والدماء والقتلى تتجلى أمامي، إذن فالعلاقة وثيقة بين الكلمة والصورة، والسينما هي أحد التجليات الحديثة للصورة.

وأما عن النقد وعملي الأكاديمي، فرغم سنوات البحث المضنية لكتابة رسالة الماجستير والدكتوراه في تخصص النقد الأدبي، وما تلاهما من أبحاث، والتي ستستمر بطبيعة الحال، فهذا حال أي باحث أكاديمي، ورغم انشغالي بالتدريس للطلبة وما يتطلبه ذلك من وقت وجهد، إلا أنني أعتقد أن عملي الأكاديمي قد زاد معرفتي عمقًا، وجعلني في سباق مع الزمن للاطلاع دومًا على الجديد حتى لا تتكلس عقليتي وتضمر قدراتي الفكرية. ولكن لا بد أن أعترف أيضًا أن الإبداع أناني ويتطلب تفرغًا وتركيزًا وهو ما لا أستطيع الوفاء به طيلة الوقت بسبب عملي الأكاديمي، الأمر الذي يتسبب في قلة إنتاجي الإبداعي.


-ما الموضوعات التي تهتمين بها؟

لاحظ الكثيرون ولعي بالموضوعات المتعلقة بكبار السن، وهم محقون تمامًا في ذلك، فلقد تكرر ذلك في فيلم “ألف رحمة ونور” (روائي قصير- 16دقيقة)، و”كان وأخواتها” (تسجيلي-30 دقيقة)، وفي فيلم “مستكة وريحان” (روائي-60  دقيقة)، وحتى في روايتي “نص هجره أبطاله” والتي نشرت عام 2012، فأنا أجد نفسي منجذبة بشدة لفكرة تقدم العمر، واقتراب النهايات، أرى في العجائز الحكمة والعطاء والخبرة، ولكني أرى فيهم أيضًا الطفولة والاحتياج وبلاء الأفكار، هذا المزيج الفريد يفتح أمامي طرقًا لاستكشاف النفس البشرية التي تنطوي على قدر كبير من التناقض والغموض، وقد يكون ولعي هذا إسقاطًا لرغبتي في الوثوب إلى المستقبل والوقف على ما سيئول إليه حالي يومًا ومحاولة فهمه وقبوله سلفًا.

-ما هو مشروعك القادم؟

عندي فكرة لفيلم روائي طويل ولكنها مازالت قيد التفكير، وكذلك فكرة لرواية جديدة.

فنونمصر

اترك تعليقاً علي المحتوي