“بويد فايجر”..تجربة فريدة لإنتاج جيل من المبتكرين*

أحمد بركات
unnamed (2)

مع بداية صدور مجلة “ميك ماجازين” Make Magazine لأول مرة عام 2005، نجح القائمون عليها في تقديم مادة محفزة لخلق مجتمع “اصنعها بنفسك” (DIY)، الذي نجح في استغلال التطور التكنولوجي غير المسبوق لتنمية المهارات الإبداعية لدى أفراده، والذي تبلور فيما بعد في حركة قاعدية تُعرف بـ “حركة التصنيع الذاتي” Maker Movement.

وأسهمت المجلة والحركة معًا في تقديم نماذج فريدة من الصُناع الذين اجتمعت فيهم المهارة اليدوية الإبداعية الخلاقة، والوعي العميق بالتقنيات الحديثة، وهو ما تمخض عن طفرة إبداعية في قطاعات عدة، مثل الهندسة والتصميمات الصناعية وتقنيات البرامج الحاسوبية والتعليم، وغيرها.


قبو المنزل

يُعد “بويد فايجر Boyd Weiger” أحد لآليء هذا العقد الإبداعي الفريد. إلا أن خصوصية تجربته تتجلى في تطوير فصل دراسي في “فاب لاب مدرسة تشيبيوا”، بمدينة “فورست ليك”، بولاية “مينيسوتا”  الأمريكية، ليعلم من خلاله طلاب الصف السادس كيفية توظيف التكنولوجيا المتقدمة في خدمة أفكارهم ومهاراتهم الإبداعية لعمل تصميمات ميكانيكية ثلاثية الأبعاد، ومحاكاة المنتجات الصناعية المعقدة، عبر عدد من برامج التصميم الحديثة، مثل برنامج Autodesk Inventor Pro 2017، وبرنامج CorelDRAW X8، وذلك لتقديم تصميمات تناسب طابعات Makergear M2 ثلاثية الأبعاد، وقاطعات Cameo 2، وقاطعة الليزر Universal Laser Systems VLS4.60.

بدأت مسيرة فايجر كأحد الصُناع الذاتيين “Makers” المبدعين في القبو الخاص بمنزل جده، الذي كان يمتلئ بعدد وافر من الأدوات، وقصاصات الخشب، وعلب الأطعمة، وغيرها من “المهملات!”. في هذا القبو – الذي حوله فايجر إلى ورشة منزلية بدائية – عكف الصبي الصغير على تصليح الأشياء “المهملة!”، وفي هذا العالم، شرع يسبر أغوار أفكاره بشأن ما يمكن أن يبدعه باستخدام الأدوات البسيطة.

بمرور الوقت، تجاوز عالم فايجر حدود هذا القبو، إلى منازل أصدقائه وأفراد عائلته، حيث دفعه شغفه إلى إصلاح جميع أجهزتهم المعطلة، سواء كانت مجففًا أو تلفازًا أو غير ذلك، وإعادتها إلى الحياة.


سفن البحرية الأمريكية

كان فايجر واحدًا من مئات الآلاف الذين يعتمدون في تنقلاتهم داخل مدينة “فورست ليك” على الدراجة على مدار العام. لكن ركوب الدراجات تطور إلى منصة صغيرة لإصلاح الدراجات، مارس فيها تفكيك الدراجات وإصلاحها، ثم تنظيفها وتشحيمها. ونجحت هذه المنصة في جذب العديد من “الزبائن” من سكان المدينة.

بعد ذلك يمم فايجر وجهه شطر البحر، كمشغل محطة طاقة نووية على متن سفن البحرية الأمريكية، حيث كان مسئولًا عن توليد الكهرباء من المحطة النووية القائمة على متن السفينة، والتحكم فيها، وتوزيعها على جميع المرافق. أثْرت هذه التجربة – التي استمرت على مدار عشر سنوات كاملة – خبرات فايجر ومهاراته الإبداعية، وانتقلت به إلى عالم أكثر تعقيدًا.

ففي ثنايا أسفاره إلى جزر الكاريبي والخليج العربي، كانت السفن تصطدم بدرجات حرارة خارجية بالغة الارتفاع – ناهيك عن الحرارة الداخلية المنبعثة من مفاعلات الماء المضغوط المرتبطة بمحطات البخار الموجودة على متن السفينة. كانت هذه الحرارة تتسبب دائمًا في كثير من الأعطاب. في هذا السياق يروي فايجر: “في هذه الآونة، كنت – ولا زلت – قارئًا نهمًا لجميع الكتيبات التي تتناول الأعمال الإبداعية والتقنيات الحديثة، وطرق عمل الآلات والدوائر الكهربائية، وعلى رأسها مجلة “ميكر ماجازين”؛ لذلك كنت أتطوع دائمًا لإصلاح الماكينات التي أفسدتها الحرارة المرتفعة؛ لأرى بعيني، وأطبق بيداي ما أوردته الكتب والمقالات”.


معلم علوم

في ديسمبر 2015، تقدم فايجر للدراسة في أحد برامج Make، التي أعلنت عنها إحدى مدارس مدينة “فورست ليك”، و تخرج منه معلمًا بالمدرسة، حيث يقوم بتعليم طلاب الصف السادس في “فاب لاب مدرسة تشيبيوا المتوسطة” مهارات التفكير التصميمي، وكيفية استخدام قاطعات الليزر، وقاطعات الفينيل، والطابعات ثلاثية الأبعاد، إلى غير ذلك من المهارات التي تفتح وعيه عليها عبر مجلة “ميك ماجازين”.

لكن فايجر لم يقنع بقصر دوره على المهام التعليمية فحسب، فعكف على تصميم مناهج دراسية جديدة لتعليم طلاب الصف استخدام برامج التصميم المتطورة. وشارك الطلاب – بإيعاز وتشجيع من معلمهم – بإيجابية في صياغة هذه المناهج طوال جميع مراحل تصميمها، ثم شاركوا بعد ذلك بأفكارهم بشأن إجراء أي تعديلات من تطوير أو حذف أو إضافة، والتحقق من مناسبة هذه المناهج للبرنامج الكلي الذي تقدمه المدرسة. ويؤكد فايجر أننا “إذا أردنا تعليمًا جيدًا، فعلينا أن نتعلم من طلابنا، وأن نبادرهم دائمًا بسؤال التطور، ونناقشهم في إجاباتهم ورؤاهم، ونلتزم بعد ذلك بما توصلنا إليه جميعًا من أفكار ومقترحات”.


 وقد طور فايجر كثيرًا من وسائل التعليم داخل مختبره، فعكف على استخدام تطبيقات جوجل؛ وذلك من أجل خلق بيئة تعلم ذاتي، وإطلاق قدرات طلابه في إتقان التعامل مع البرامج والأجهزة الحاسوبية شديدة التعقيد.

في هذه البيئة التعليمية النشطة، تم وضع الطلاب في واحد من ثلاثة مسارات، يحدد كل منها المنهجية التي سيتعلمون من خلالها بما يتناسب مع قدراتهم وأفكارهم. وقد نجح فايجر حتى الآن في إنتاج أكثر من 200 فيديو تعليمي قصير، يحتوي كل منها على مهام يُكلف الطلاب بتنفيذها لتعلم كيفية استخدام البرامج والأجهزة الحاسوبية.

ويعمل الطلاب في سياق هذه المنهجية بالسرعة التي تناسب إمكاناتهم، كما أنهم لا يُكلفون بتصميمات معينة، حيث يعتمد الأمر كلية على ملكاتهم الإبداعية ومجالات اهتماماتهم. ويبدأ الطلاب العمل منذ اللحظة الأولى من التحاقهم بالصف الدراسي. ويعتبر فايجر هذا الفصل “أفضل المشروعات التي أنجزتها على الإطلاق”.


-مادة هذه المقالة مأخوذة من حوار مع “بويد فايجر” للاطلاع عاليها من هنا.

إبداعابتكارتكنولوجيا

اترك تعليقاً علي المحتوي