رحلة صعايدة (آرت هوم)، من الأقصر إلى العالمية

ياسين أحمد سعيد
18762443_1937429156477021_1227528603_n

(الرسوم الزيتية- الحفر على الخشب- الحرق على الجلد الطبيعي- مشغولات من خامات مُعاد تدويرها).

حمل مهندس محمود بغدادي شغفًا تجاه تلك الفنون تحديدًا، فحلم بامتلاك ورشة تتخصص في إنتاجها.

بدأ ذاك الحلم فرديًا في مُستهل الأمر، وظل كذلك حتى منتصف العقد من الألفية، حين تقرر تجميد نشاط الفنون التشكيلية بمركز شباب (طيبة) الأقصري، حيث يعمل محمود مُشرفًا، مما جعله يفتتح ورشته الخاصة داخل جدران نفس المكان، على الأقل؛ كي يبقي على باقة الموهوبين الذين دربهم هناك.

– بدأنا في شهر يوليو 2007م، بفريق يتكون مني، إلى جوار أحد عشر متدربًا من الشباب والشابات، الجميل فيهم، أن شخص المدرب اختفى تدريجيًا، لنصبح اثنا عشر متدربًا ومدربًا في وقت واحد.

(محمد عبد السميع– صباح خيري- مروة نجدي- رحاب عبد العزيز- مي نجيب – مصطفى الدمرداش– سعاد سباق – شاهيناز– شيماء مهدي – خضرة أحمد – أحمد رجب).


حظيت الفكرة بتشجيع مدير المركز آنذاك (عبد الحميد مطر) –رحمه الله- الذي قرر تحمل المسؤولية، تجاه مشاكل البيروقراطية الحكومية، التي قد يثيرها وجود مشروع خاص هناك.

-ندين إلى هذا الرجل، بكل ما حققناه حاليًا، فبدون توفيره (المقر)، لما استمرت (آرت هوم) إلى الآن.

-لماذا “لم تكونوا لتستمرون؟!”، ألم يكن من الممكن –مثلًا- أن تؤجر واحدًا، أو تخصص غرفة في منزلك مثلًا، للورشة؟!

-لاحظ أن نصف الفريق –تقريبًا- من الإناث، وأننا نعيش في مجتمع صعيدي، له عاداته وتقاليده، بالكاد يتقبل ذهابهن إلى مركز حكومي كـ (طيبة).

هكذا تم تجاوز العائق الأساسي؛ (المكان)، لتبدأ الانطلاقة الأولى بموارد ذاتية بحتة، دون أي تمويل أو دعم خارجي.


يصف م. (بغدادي) هذه المرحلة، بقوله:

– لن أنسى أول لوح خشب اشتريته، قطعته إلى 24 جزءًا، بعد استخدام الفريق لهن، نجا سبع قطع فقط، احتفظت بهم فترة طويلة، من أجل جعلهم مقياس لكل متدرب، كي يشاهد مدى تقدمه.

هبطت (آرت هوم) –لأول مرة- إلى السوق، ففوجئوا بردود أفعال محبطة من أصحاب الجاليريات والبازارات.

السبب: أن منتجات الفريق لم تعتمد -كما هو السائد- على الرسوم الفرعونية، سواء؛ نحت على الخشب، طباعة على الملابس، تصوير فوتوغرافي، إلخ. بل انحازت إلى تصاميم شعبية، تم دمجها مع عناصر إسلامية وفرعونية وقبطية.

صممت (آرت هوم) على أولوية (الارتقاء بذائقة الجمهور الأقصري.. المصري)، بعكس الكثيرين ممن ينصب تركيزهم على (الأجنبي) فقط، فاعتادوا سؤال المشتري عن المكان الذي سيضع فيه اللوحة، المساحة، لون الجدار وما يحيط به.

اختاروا الصبر …لأن ذلك كله، جاء موازيًا لغزو الصين اقتصاديًا وصناعيًا، لكل الأسواق العالمية.

انطلاقًا من الأرضية السابقة، كوّنت (آرت هوم) -من أعضائها- فريقين للتسويق.

-مرارة التجول في الشوارع، واستغلال الناس لكوننا في بداية مشوارنا، منهم من يشتريه بنص تمنه، ومنهم من يقول: “اتركه عندي، ، ثم مر.. وخذ القيمة بعد بيعه “.

هكذا لخص (بغدادي)، أزمة تلك المرحلة، حتى جاءت الانفراجة، عبر إعلان عن استعداد ساحة (سيدي أبي الحجاج) -أشهر ميادين (الأقصر)-، لاستقبال معرض للحرف الشعبية.


في البدء، تشكك (بغدادي) في إمكانية الانضمام، نظرًا لوزن الجهات الأخرى، من مختلف أنحاء مصر، التي تم التنويه عن مشاركتهم، غير أن عضوة الفريق (سعاد سباق) كانت أكثر تفاؤلًا، فبسببها، تم حجز موعد لعرض أعمال (آرت هوم) على لجنة التقييم.

بلغ إعجاب الجميع بمعروضات (الآرتاوية)، لدرجة؛ عدم التصديق أنها نتاج ورشة عمرها عامين، موجودة في نفس المدينة بالفعل.

-أثمرت تلك التجربة، عن مزيد من الاستدعاءات لمعارض قصر الثقافة، بمرور الوقت، اتسع حجم المشروع، مما استدعى مغادرة مركز شباب (طيبة) في منطقة (العوامية)، لنشهد “إعادة ميلاد” في 1/10/2011م، من خلال افتتاح مقر آخر بقلب المدينة، خلف مستشفى (الأقصر الدولي) مباشرة (فاكر يا ياسين؟!).


لم أستطع الرد على السؤال الأخير، مع كم الاعتزاز والذكريات، الذي فرضته.

أعلم أن هذه الأمور تخالف ما تعلمناه في الكلية، في مقرر مادة (الحوار الصحفي)، إذ يشترط على المحاور “التزام الحياد التام”، والحذر من الدفع باسمه كـ “طرف” في الموضوع، من قريب أو بعيد.

غير أنني بالفعل لست محايدًا، ولا أستطيع أن أكون، في مثل هذه الموضوعات تحديدًا.

تعرفت على (آرت هوم) عندما انتقلت من (أسوان) إلى (الأقصر)، حيث استلمت عملي بمستشفاها الدولي.


بالتوازي مع نشاط فريق (آرت هوم) الرئيسي، حرص المشروع -منذ افتتاحه- على تقديم خدمة (التدريب) -من وقت لآخر- قدر المستطاع- لمن يرغب من شباب الأقصر (ولا مانع تجاه شباب أسوان، باعتباري كنت أحد هؤلاء المتدربين يومًا)، وعادوا لتجديد الدعوة عقب افتتاح الفرع الجديد، من أجل مواكبة الانتشار والطلب المتزايدين، مع بقاء نفس الأسس المعروفة عن المكان، في هذا الصدد:

-التدريب مجانًا/ لفترة قد تمتد شهرًا أو شهرين/ الخامات تتكفل بها الورشة/ كل شاب ينتج قطعة صالحة أثناء ذلك، يتم منحه مقابل مادي، من قبل انتظار بيعها حتى/ مرحبًا بكل من يمتلك الموهبة الكافية، ويرغب في الاندماج والاستمرار داخل المكان.

في قلب مقر (آرت هوم)، توجد ساعة كبيرة يحيط بعقربيها 12 صورة لوجوه شابة (مؤسسي آرت هوم)، بدلًا من الأرقام.

-أصعب مرحلة مرت بـ (آرت هوم) على الإطلاق، عندما رحل اثنان منهم، رحلا عن عالمنا بأسره.

أحاول الحديث عن مدى قسوة الحدثين، وتأثيرهم على المكان وأهله حتى الآن، إلا أنني لم أجد مفردات تفي بوصفها.

شابان في مثل سننا، يحفلون بقدر لا يصدق من الطاقة والحيوية، استيقظنا ذات صباح على خبر وفاة (مروة نجدي)، وبعدها بعدة أشهر لحق بها (محمد عبد السميع).


تتميز (آرت هوم) بقدرتها على تجاوز العقبات والآلام، وتحويلها إلى “دافع” نحو المزيد من الفن.
من الملاحظ كذلك -دومًا- أن (آرت هوم) من الأماكن التي ينطبق عليها مبدأ (المجموع للفرد.. والفرد للمجموع)، بدليل أن أغلب الفاعليات التي مثلت “نقاط تحول” في مشوار المشروع، تم المشاركة فيها عن طريق حماس أو معلومة بواسطة أحد أعضاء الفريق، وليس المهندس (بغدادي) بالضرورة؛ فبعد تجربة (سعاد سباق)، مع مهرجان (سيدي أبو الحجاج)، تسببت (مروه نجدي) في إلحاق منتجات (آرت هوم)، بمعارض على هامش مؤتمرات بفنادق كبرى، أقيمت في الأقصر، كما يدينون لها بالفضل أيضًا، في فكرة التقدم بطلب للمحافظة، لإشراك المشروع في معرض دائم تابع لها.. يسمى (المركز الحضري).

الخطوة التالية، التي خطرت لـ (بغدادي)، هي الخروج من نطاق الأقصر.

“للأسف، اكتشفنا إنك (عشان تتشاف)، لازم تروح (القاهرة)”.

جربوا الدخول من بوابة الفعاليات الدورية، التابعة للشئون الاجتماعية، المعروفة باسم؛ معرض (ديارنا)  للأسر المنتجة.

وقتها، لم يقدموا سوى أعمال حفر على الخشب، أما في الفترة اللاحقة، أدخلوا أعمال الرسوم الزيتية والأكريليك، التي تعتمد على الثيمة الشعبية والألوان الصارخة، فكان ذاك الأسلوب الخاص بمثابة “بصمة” مميزة لهم، أما عن الجائزة الأهم من ذاك التواجد، فهي الاحتكاك مع فنانين من شتى المحافظات، بما ترتب عليه من تبادل للثقافات والخبرات.


-أرهقنا الترحال من الأقصر إلى القاهرة، ذهابًا وإيابًا، بالإضافة إلى التلفيات التي تحدث للمعروضات أثناء الشحن، فكان الحل الوحيد الذي فرض نفسه؛ إنشاء معرض دائم لنا بالقاهرة، لأختاره في منطقة (سوق الفسطاط) تحديدًا، بناءًا على اقتراح مخلص من الزميلة (سمر حسنين)، التي تمتلك بازارًا هناك.

المميزات: يكفي العبق التاريخي للمكان، علاوة على التواجد بين فنانين، يتنوعون بين 40 حرفة وإبداع مصري أصيل.

تم الافتتاح في تاريخ 1 مارس 2016م، ليكتسب الفريق بعدها –تدريجيًا- جرأة الانضمام لمعارض أكبر، سواء على مستوى الدعاية أو الإقبال الجماهيري، مثل: فيرنكس.. إن دور.. القاهرة الدولي للفنون اليدوية ….وغيره.

في مرحلة تالية، زارت (آرت هوم) –بشكل غير مباشر- دولأ مثل بولندا وفرنسا، عن طريق وكلاء قاموا بشراء أعمالهم، وطرحها ضمن معارض هناك.

-طموحنا الحالي أن نشارك -باسمنا- في محافل عربية وعالمية، ولا أستبعد ذلك، كما تعودت من عطاء ربي لنا.

تحديث:

تحقق الحلم بأسرع مما يتصور أحدنا، ففي الفترة ما بين إجراء الحوار ونشره، أخبرني المهندس بعودته –توًا- من مشاركة لـ (آرت هوم)، في معرض بدولة (البحرين).


unnamed (5)

unnamed (4)

unnamed (3)


رابط الصفحة على فيس بوك.

الأقصرفنون

اترك تعليقاً علي المحتوي