من زويل… مرورًا بالجيل الجديد وكل شيء

محمد نصار - The Recap
1

تروي قصة حقيقية في القرون الوسطى عن رجل إسكتلندي يُسمى ألكسندر سيلكريك Alexander Selkirk. حاد المزاج، كث الحواجب، تتقدم مقدمة رأسه كأنها سفينة حربية. أُرسل على متن سفينة بريطانية فوّضت لسرقة السفن من الأسبان والبرتغاليين. مع مرور الوقت ونفاذ الطعام أجبر الرجل على مغادرة السفينة إلى جزيرة من الجزر البركانية، وأظن أن القارئ استشفّ بالطبع من وصف “بركانية” العزلة الشديدة وغرابة الأحياء المستوطنة من الحيوانات أو النباتات.
هبط سيلكريك فتحسست قدماه بقايا حفريات متهشمة، لم يجد من الثدييات سوى الفئران والقطط والماعز وهو بالطبع – الكائن الجديد. على مدّ بصره أنواع من النباتات لم يعهدها في موطنه، الشمس حارقة، السواد كالح، الرماد المتخلل لذرات الأكسچين الهوائي.
بعد فترة من الكآبة، قرر سيلكريك المواجهة واختار العزيمة بديلًا، وبدأ يصيد الحيوانات ويصنع من جلودها ملابس ويشعل النار، إلى حين تم إنقاذه من قبل سفينة مارّة بعد مرور أربع سنوات ونصف من المواجهة. القصة ذُكرت في كتاب “Why Evolution Is True” – كتاب مرموق علميًا.

في السطور القادمة سأتبادل مع القارئ ريادة زويل في العلم والأبعاد الأعمق لافتتاحي برواية هذه القصة والتشبيه بين بطل القصة وبطل الكيمياء زويل.

أحمد زويل العالم المصري العبقري، العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في العلوم.
زويل المولود في دمنهور سنة 1946، تخرج من كلية العلوم ثم أكمل أبحاثه في الولايات المتحدة الامريكية، كان يعمل في جامعة “كالتاك” وهي من أثقل المؤسسات العلمية في العالم.
حصل زويل على جائزة نوبل سنة 1999 في الكيمياء لاختراعه ليزر فائق السرعة يصل إلى زمن مقداره فيمتو ثانية وتعني جزء من مليون مليار جزء من الثانية، وبهذا أصبح رائدًا لهذا العلم “كيمياء الفيمتو ثانية”. تعني كيمياء الفيمتو ثانية مراقبة الجسيمات ما دون الذرية بسرعات فائقة.
التساؤل الذي ربما يدور في ذهنك الآن هو ما فائدة رصد الجسيمات متناهية الصغر بسرعات فائقة؟ كوننا الفسيح فيزيائيًا يتكون من المادة والطاقة، بالنسبة للمادة على مدار تاريخ البشرية تعدد النظر إلى تكوينها بداية من الذرة مرورًا باحتواء الذرة على نواة وإلكترونات خارجية ثم اكتشاف جسيمات دون ذرية تسمى البروتونات والنيوترونات، ثم أحرزنا تقدمًا هائلًا بأن الكون بأسره يتكون من 12 جسيم ستة كواركات وستة لبتونات، الكواركات تُكّون البروتونات والنيوترونات، واللبتونات تٌكّون الإلكترونات. ومن هنا نقول إن الرصد والتحليل على مستوى ضئيل جدًا يفهمنا كثيرًا عن الكون وعن أصولنا ونكتسب تحكّمًا أكثر.
بالنسبة للطاقة فهي القوى الخارجية التي تؤثر في المادة وهي أربع قوى كونية : الكهرومغناطيسية والنووية القوية والنووية الضعيفة والجاذبية، نظرتنا للطاقة تطورت من كونها قوى أثيرية أسطورية لا ندرك كنهها إلى إدراكنا بأن الطاقة أيضًا تحمل على جسيمات مادية تعبر عنها… مثل جسيم الفوتون الذي يحمل الطاقة الكهرومغناطيسية، ومؤخرًا اكتشفنا من عدة أشهر جسيم الجرافيتون الذي يحمل موجات الجاذبية. وبالمناسبة فإن نظرتنا المتطورة للطاقة قد اكتسبناها عن طريق الرصد وأشعة الليزر، زويل أكمل هذه المسيرة من فهمنا الدقيق للجسيمات وتتبعنا للروابط الكيميائية وفهمنا لتصرف المادة عن طريق كيمياء الفيمتو التي تشعبت في جميع مجالات العلم تقريبًا، ومن باب منافستي مع القارئ المهتّم؛ قم الآن بكتابة كلمة Femtosecond في أحد مواقع الأبحاث العلمية المرموقة مثل Nature أو Science وستذهل بالآف الأبحاث التي استخدمت هذه التقنية.
في التكنولوچيا: قام باحثون في جامعة ساوث هامبتون باختراع قرص صلب يمكنه تخزين 360 تيرا بايت من البيانات باستخدام ليزر الفيمتوثانية وتسمى هذه الذاكرة بـ Superman memory crystal.
في الكيمياء: قام باحثون بجامعة ستانفورد باختراع أداة تستطيع رصد حركة الإلكترونات وأنوية الذرات بدقة مستخدمين تقنية الفيمتو. قال المسئول عن تطوير الجهاز: أنه فتح الباب لرصد السرعات الفائقة كما في الحالات الغازية والتي تحدث فيها التفاعلات بسرعة أكبر بأربع مرات.
في الطب: حدّث ولا حرج وأبسط الأوراق ولا تبالي عن كمّ التطبيقات المهول، استخدامات عديدة في تصوير كثير من المركبات الخلوية ومعرفة شكله الثلاثي الأبعاد، مثل الـ G- Protein وهو بروتين يوجد على غشاء الخلية وله أهمية بالغة في عمليات الأيض Metabolism، استطعنا أيضًا تصوير مستقبلات لهرمون السيروتونين Serotonin Receptors. مثل هذه الاكتشافات تعطينا تصور لكيفية عمل البروتينات، وكيفية التعبير الدقيق من الچينات الذي أدى إلى تكوينها. وبالتبعية فهم الكثير من الامراض المبنية على خلل في شكل البروتينات أو التعبير عنها من الچينات. كيمياء الفيمتو أيضًا أحدثت ثورة في الجراحات الدقيقة عامةً وجراحات العيون خاصةً.

الإنجاز الذي لا يقل أهمية عن الفيمتو هو “الليزر رباعي الأبعاد”.
تطورت أجهزة التكبير في تاريخ البشر من العدسات المحدبة المكبرة إلى المجهر الضوئي وأخيرًا المجهر الإلكتروني عند اكتشافنا الطبيعة المزدوجة للضوء والذي أحدث ثورة في تاريخ العلم، المجهر الإلكتروني يستطيع رصد الجسيمات الصغيرة جدًا في أبعادها الثلاثة أما المجهر رباعي الأبعاد فيمكنه أيضًا إدخال البعد الرابع وهو الزمن مما يزيد من قدرة التحليل 10 أضعاف عن الإلكتروني، تقول جامعة كالتك: “إن الميكروسكوب رباعي الأبعاد يُحدث ثورة في طريقة نظرتنا لعالم النانو… إنه يسمح بمشاهدة الزمن الحقيقي والمساحة الحقيقية للتغيرات داخل الذرة “. وهناك براءة اختراع مُنحت لزويل على هذا الاختراع.

زويل لا يختلف كثيرًا عن صاحب القصة السالفة، زويل لم يتوقف عند ادعاءات أن المناخ المحلي للعلم مضمحل وأن الطريق مسدود لكل من يريد أن يترك بصمة على قضبان المواجهة وخدمة العلم. لك أن تتخيل أن زويل قدّم قرابة 550 ورقة بحثية في مشواره العلمي، إن مثل هؤلاء الأفذاذ هم من يحكّون أعينهم استقبالًا ليوم جديد متسائلين ماذا سنقدم اليوم إلى أنفسنا وإلى العلم؟

آمن كل من زويل وسيلكريك أن الحياة عبارة عن عدة اختيارات طفيفة ومتراكمة وفي النهاية عندما تعبر إلى الجانب المقابل ثم تنظر وتدقق في صدق هذه الاختيارات ودرجة إيمانك بها تقر بأنك المسئول الوحيد عنها، آمنوا أن الحكمة في المواجهة والاستمرار, والإمعان في التحدي حتى ولو لم يُرَ النور في نهاية النفق.
إن چينات زويل العازمة على خدمة العلم هي چينات أي باحث تحسست قدماه الطريق ثم رسخت، وآمن وصدّق، هي چينات سيلكيرك عندما قرر عدم الاستسلام، هي چينات طالب الثانوية المجتهد الذي قرر أن يحقق أهدافه، ولا مبالغة في المقاربة والتشبيه.
أنت لا تستطيع الإقرار بأن من اجتهد واستمر ولم يحالفه الحظ والذكاء بالحصول على نوبل أنه مقصر، بل ادفن ووارِ التراب على ما تبقى لك من إنصاف إن قلت ذلك.
والحتمية المنطقية التالية تقول أن من يريد أن يصبح زويل فليصبح، الأمر إذن بين يديك، الأمر متاح للجميع.
ربما وأنا انتقل باسترسال لختام هذا المقال شعرت بثورة على النفس وصراع دائر بين الضمير الممتلئ بالعزيمة ورؤية المستقبل المبهر المكتوب بأقلام هذا الضمير المستيقظ…
ولكن في ذات الوقت لا أريد أن ينتقل المقال إلى مقال تنمية بشرية مليء بعبارات “اخرج العبقري الكامن بداخلك” و “أيقظ مارد العزيمة الدفينة” أو “المقال الذي سيغير حياتك للأبد”. ثم تردف بتلقائية مقولة حزلقوم الشهيرة لغسان مطر: أيوة يعني أعمل ايه!


تم نشر هذا المقال في العدد الرابع من مجلة RECAP أحد المبادرات الشريكة مع كلافو..

للإطلاع على العدد الرابع من المجلة وتحميله من هنا.

لمعرفة المزيد عن مجلة Recap ومتابعتها عبر موقع كلافو من هنا.

أحمد زويلألكسندر سيلكريكفيمتوثانيةكيمياءليزر رباعي الأبعادنوبل في العلوم

اترك تعليقاً علي المحتوي