“قوص بلدنا”..النظافة تبدأ بالعقول

ياسين أحمد سعيد
1000_455152247863983_113631057_n

تاريخ الانطلاقة: يونيه 2010م.

تخيل أن تقضي النهار في الجامعة كطالب، ثم تهبط إلى الشارع عصرًا، بمكنسة وجاروف؟ أطرح هذا السؤال كبداية، لنقدّر مقدار الشجاعة التي تحلى بها أحمد علي حجاج، ومحمد مراد، ومحمد سيد، ومحمود أحمد عاطف، وأحمد عمر حمادة. خمسة طلاب بـ جامعة قنا، أطلقوا حراكًا متعدد الأنشطة بمدينتهم، تحت لافتة؛ جمعية (قوص بلدنا)، غير أن البذرة بدأت بهدف أحادي بسيط..

جلّ ما فكروا فيه –وقتها- المشاركة في نظافة الشارع، بالتنسيق مع المجلس المحلي. بهذه الخطوة، اختبروا بالطريقة الصعبة مدى الاختلاف بين أفق النوايا الطيبة، والهبوط على أسفلت الواقع.


من ناحية، عمال النظافة الذين يتقاضون أجر يومي (9 ج) وقتها، اعتادوا انتهاج مبدأ (العمل على قدر فلوسهم)، فضايقهم وجود الشباب إلى جوارهم، مما يفرض –بطبيعة الحال- الاضطرار للشغل بجدية إضافية. أما عن المسئولين في مجلس المدينة، لم يصلهم –بحكم أمان مكانتهم الوظيفية- أي نذر يسير من ذاك الاضطرار للجدية، فوفروا التسهيلات والأدوات تارة..  وحسروها عنهم تارة أخرى. الشيء الوحيد الذي تحمسوا لأجله، محاولة استقطاب الطلبة للعمل تحت مظلة الحزب الوطني، تحديدًا مشروع (مصر أحلى بشبابها) لو يذكره أحدكم.

في المواقف المشابهة، تجنح أغلب المبادرات التي أعرفها، إلى الرفض.. رفض فطري للانزواء تحت أي جناح سياسي، ديني، طائفي، عرقي، إلخ. كي يظلوا جزءًا من الناس فحسب، وهو ما فعله شباب (قوص بلدنا)، ليفاجأوا بأن الصدمة الثالثة.. مصدرها “الناس” أنفسهم؛ فبينما لم يفرغ الفريق من العمل بعد، يفاجئهم أحد العابرين بطرح المزيد من القمامة، وإذا لفت أحد الشباب نظره –بتهذيب- إلى الصندوق المخصص، تأتي الإجابة البريئة:

– هذا عملكم أنتم. (ظنًا منه أن الطلبة ينتمون إلى عمال النظافة).

يضيف عضو الفريق المؤسس د. أحمد عمر:

 – “انتبهنا إلى أن نظافة الطرقات، تحتاج عملًا موازيًا في نظافة العقول”.


أعقب نزولهم الشارع في يونية 2010، أول صالون ثقافي في أغسطس من نفس العام. أمسية لطيفة، أقيمت بمقهى (مطاحن مصر العليا) التي تقع إلى جوار مقر الشركة على النيل، ثم جاءت النقلة التالية برعاية الحاصل على جائزة الموظف الأفضل في وزارته، على مستوى إقليم جنوب الصعيد. (أنور جمال)، مدير قصر ثقافة (قوص). انتبه الرجل إلى نشاط الشباب اللافت، فرحب باحتضان أنشطتهم داخل القصر، وأحاطهم بدعم لا محدود على حد تعبيرهم، لدرجة أنه:
عندما تتأخر الفاعليات، ويرغب الأمن والإداريين بالانصراف، يبقى هو كي يؤمن لنا راحتنا في الوقت الذي نرغبه.

أغلب أصحاب المبادرات من أصدقائي، يتحدثون عن التجاهل الذي يلاقونه من الحكوميين، حتى يظهر نسخة (أنور جمال) خاصتهم، أمثال هذا الرجل موجودون في كل مكان، مرونتهم نابعة من وازع فردي، لذلك، إن رحلوا…

– … وجاء صف ثان لا يرحب بكم، ألا ترى أن ذلك سيهدد استمرار نشاط المبادرة هناك؟

– الاحتمال مطروح بقوة، خصوصًا مع شعورنا بعدم وجود نفس الترحيب مع كل الكوادر في القصر.


وجهت المزيد من علامات الاستفهام حول هذه النقطة، فوضح د.أحمد عمر:

– الموظف عندما يعتاد على اللاعمل، يؤرقه تواجد حراك إلى جواره، ويفترض أن الغرض منه هو إشعارهم بالتقصير، وهذا حال العديد من العاملين هناك.

سعت (قوص بلدنا) لاختلاق بديل، تمثل في الشاعر والمسرحي (مراد محمد حسن) عضو مجلس إدارة (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ساعدت الخلفية الأدبية للرجل على تفهم مساعي الفريق، فتم عقد شراكة بين الجمعية وقوص بلدنا، صارت بموجبها مكتبة الطرف الأول تحت تصرف الثاني.

هكذا استمرت فعاليات الجمعية بالقصر حتى الآن، بالتوازي مع المكان الجديد، لتتوزع بينهما أنشطة الجمعية، كـ؛ نادي السينما كل أربعاء، مسرح ومعارض الفنون التشكيلية بين الحين والآخر، فضلًا عن الصالون الثقافي الذي يعقد كل خميس، وتعود انطلاقته إلى 7 أعوام مضت، منذ بداية الجمعية ذاتها، بالإضافة إلى أنشطة أحدث، مثل جلسات (زاد)، التي تستهدف توفير حد أدنى من الأمان المعرفي, بمناقشة الجديد والدسم من الكتب كل جمعة.


ليست السياسة فقط، ما حاولنا تجنبها، سعينا أيضًا لخلق فريق، لا يسأل أحدهم الآخر: “من أي قبيلة أنت؟” .

من أحرج فترات الجمعية أيضًا، تلك التي فرغت فيه من الكوادر، الشباب يسافرون للعمل أو للتجنيد، الآنسات يتزوجن، مما نتج عنه مرحلة انتقالية شديدة الصعوبة، حتى تم رتق الفراغ مرة أخرى.

في (قوص بلدنا) يصل الأمر حاليًا، لأن تجد شباب في الإعدادية والثانوية يديرون بعض الفاعليات.

لم ألبث أن انتبهت لنقطة، فسألت المنسق العام السابق:

– ألست عضوًا مؤسسًا؟ ماذا عنك الآن؟ كيف ومتى تركت المنصب بالضبط؟

– تنحيت كـ (مبارك).

هكذا أجاب، قبل أن يضيف بجدية:

-أهم أسباب استمرار (قوص بلدنا) هي التقويم، فالتقويم، فالتقويم المستمر.

تركت مكاني بعد انتهاء المدة، وتنحيت في سبيل إفساح المجال لانتخابات حرة، أفرزت كوادر أخرى لا تقل كفاءة، أقف بجوارهم حاليًا من خلال دور استشاري، لا تنفيذي.


يتكون هيكل (قوص بلدنا) من (منسق عام)، يتغير بانتخابات نصف سنوية، تتفرع الشجرة الوظيفية إلى عدة لجان، بعضها إداري، مثل (المالية)، (الإعلام)، (التدريب)، (الموارد البشرية)، وآخر فني مثل (الثقافية)، (العلمية)، (الميدانية).

بهذه الروح الداخلية المنظمة، انفتحت الجمعية لعقد شراكات خارجية مع الجميع، انطلاقًا من مبدأ التكامل لا التنافس، فنجحوا إلى جوار مؤسسة (دوم) وقصر ثقافة (قوص)، في إطلاق حفل لراوي السيرة الهلالية (سيد الضوي) رحمه الله، علاوة على عرض لفرقة (بني مزار)، وورشة أدبية للكاتبة الكبيرة (سحر الموجي).


-“ظننا أننا سنجد أرض فضاء، خالية إلا من طاولة ومقعد في المنتصف، يجلس عليها عجوز بجلباب وعمامة، وفي الخلفية صوت إطلاق نار من بعيد.

فوجئنا بصورة مختلفة تمامًا لما تخيلناه عن “مبادرة مجتمعية” في الصعيد، في البدء، اتضح أن (محمد يوسف) الذي تواصل معنا، ليس مسنًا كما تخيلنا، بل صيدلي شاب، يعمل ضمن فريق عمل متناغم، تعجبنا أنه تضمن سيدات أيضًا، بخلاف الصورة الشائعة للصعيد، حتى الآن، تعتبر (قوص بلدنا) هي أحد أكثر الكيانات المنظمة التي تعاملنا معها”.

      أحد مسئولي مؤسسة (دوم) بعد زيارته الأولى للمبادرة


صفحة الجمعية على الفيسبوك

رابط القناة على يوتيوب.

ثقافةمصرنظافة

اترك تعليقاً علي المحتوي