سارة التومي والتنمية بالأكاسيا

مجدي سعيد
سارة التومي

تضافرت كل من قناة العربي، وموقع ومضة على النشر خلال شهر فبراير 2017 حول تجربة الشابة الفرنسية ذات الأصول التونسية “سارة التومي”، وذلك في كل من حلقة برنامج “نساء من ذهب” التي أذيعت يوم 8 فبراير 2017 على قناة التلفزيون العربي، وفي تقرير “ليليا بلايز” على موقع ومضة بتاريخ 19 فبراير 2017، ومن مزيج ما قدم عنها في هذين المصدرين نلخص قصتها:

بدأت القصة عندما كانت سارة ترافق أباها التونسي في زيارة لقرية جدها “بير صالح” حينما كانت في التاسعة من عمرها، لحضور عرس زواج عمتها، لم تكن سارة التي تربت في كنف والدتها الفرنسية تعرف الحديث بالعربية لكن حب أهل القرية غمرها، وأشعرها بالانتماء إلى عائلة كبيرة. وخلال زيارات متتالية على مدار السنوات العشر التالية أدركت سارة أن القرية تعيش مشكلة تتمثل في تناقص الأمطار وتملح مياه الآبار، وتدهور حالة أرض جدها وباقي أراضي القرية التي بدأ البوار يصيبها نتيجة للزحف الصحراوي عليها، مما دعاها للتفكير والبحث في حل، وقد علمت من خلال بحثها على الإنترنت عن شجرة الأكاسيا وأنها استخدمت في كثير من البلدان للحماية من التصحر وإعادة بناء الغابات وإحداث تنمية اقتصادية للمجتمعات التي تزرعها من بيع ثمارها، مما دعاها للتساؤل لماذا لا نجرب هذا، خاصة وأن الأكاسيا شجرة موجودة في تونس بالفعل.


الأكاسيا هو الاسم العلمي لما عرف عربيا باسم السنط أو الطلح، وكما تقول الويكيبيديا فهو جنس نباتي من الفصيلة البقولية، يضم 1300 نوعا من الأشجار والشجيرات، ومعظم أنواعه لها استعمالات اقتصادية غذائية أو صحية أو صناعية. أما موقع الشجرة فيقول أن الشجرة رمز للصحراء والسفانا الإفريقية، ارتبطت بالموروث الصحراوي وبحياة الانسان البدوي في حله وترحاله، رمزاً للبيئة الصحراوية والأصالة البدوية، ويعرف عن شجرة الطلح صبرها وجَلَدها على قيظ الصحراء والعطش والجفاف، وهي من الأشجار الصحراوية القوية التحمل والمعطاءة، فهي تساهم بشكل رئيسي وفعال في توفير الكلأ للماشية وهي تشكل جوهر المراعي للإبل والغنم، كما تشكل الشجرة الملجأ والمخبأ المثالي لتكاثر الحيوانات البرية الأصيلة كما أنها تشكل حواجز بيولوجية تحد من التصحر وزحف الرمال وتقوم بدور فعال في تنقية الجو.


من ثم أطلقت “سارة” شركتها الاجتماعية “أكاسيا للجميع Acacias for All” بمنحة من أشوكا، ومساعدة تقنية من صندوق التمويل غير الربحي الأميركي “إكووينج جرين” Echoing Green . كانت فكرتها الأساسية تقوم على غرس أشجار الأكاسيا في الصحراء لتشكل سوراً أخضر يحمي المزارع من الرمال والرياح، وقد عرضتها على وزارة البيئة التونسية لكنها لم تلقَ موافقة. لكنها لم تستسلم وتوجهت إلى الناس مباشرة، فعملت “أكاسيا للجميع” على تعليم النساء كيفية محاربة التصحر من خلال غرس الأشجار وتعلّم تقنيات الزراعة الحديثة. جمعت التومي 21 امرأة لزرع شجر البان والأكاسيا، وهما نوعان من الأشجار السريعة النمو والإنتاج. إضافة إلى ذلك فقد تولّت سارة عام 2012 أيضا مسؤولية جمعية غير ربحية تابعة لوالدها، تعمل على الترويج لطرق جديدة في الزراعة. أطلقت على هذه الجمعية اسماً جديداً هو “حلم”، وبدأت بصنع منتجات من شجر البان والأكاسيا والصبار والنباتات الأخرى.

لم تكن الأمور سهلة على سارة، فبعدما حصلت في العام 2012 على تمويل بقيمة 160 ألف يورو (170 ألف دولار أميركي تقريباً) من شركة “أورانج” Orangee لتطوير قريتها، أحدث الأمر الكثير من الجلبة، ورغم أنها أصلحت خدمات ومرافق القرية من مدرسة ومستوصف ومشغل وغيرها، اتهمها “بعض سكان القرية بالاختلاس، وقالوا إنّ المبلغ الذي حصلت عليه هو مليون دولار. وبالرغم من رؤيتهم للمدرسة الجديدة والأمور التي نفذتها، لم يتقبل أحد أن تتلقى مثل هذا المبلغ”. نفدت قوى سارة وذهبت إلى فرنسا متوقعة ألاّ تعود مجدداً إلى تونس، ولكنّها عادت عام 2014 لتتكلم عن مشروعها مع إحدى الفضائيات المغاربية، وفوجئت بأن الأمور قد تغيرت، وأن المشاريع قد أثمرت، وصار الناس أكثر قبولا لها، فقررت البقاء للدفاع عن مشروعها الزراعي “أكاسيا للجميع”.

تشير سارة في حديث مع “ومضة” إلى أنّ هدفها الرئيسي “يكمن في إنشاء ستة مصانع محلية ستوظف ما يصل إلى 40 شخصاً يتولون العمل على إعداد المنتجات وتحضيرها للتصدير. آملة أن تنتقل من المنتجات المصنعة منزلياً إلى طريقة صناعية أكثر، مع الحفاظ على الأخلاقيات الزراعية في هذه العملية”، ومع الوقت صار أفضل ما في رصيد سارة هو سمعتها في السوق، والتي كوّنتها على مدى سنوات من خلال حث الناس على زراعة الأشجار في تونس. وساعدها ذلك على الترويج لحملتها “مليون شجرة لتونس” في عام 2016، والتي شجعت الناس على غرس الأشجار على  طريقة “تحدي دلو الثلج”. بالإضافة إلى ذلك، عملت على تعيين سفراء للأكاسيا في مختلف أنحاء البلاد يروجون للأولويات الزراعية للحملة، وهي الزراعة المعمرة permaculture والحراجة الزراعية agroforestry. وأصبح طموح سارة الأساسي هو أن تصبح رائدة أعمال اجتماعية كما تريد. فقد حصلت على جائزتين في عام 2016، واحدة من فرنسا وأخرى من شركة “روليكس”، وبعد استخدام المال الذي حصلت عليه لتطوير المصنع تريد رؤية الأثر الناتج عن عملها.


المعنى في قصة سارة، أنك تحتاج في البداية إلى أمرين: الاهتمام والمعرفة، ومن مزيج هذين الأمرين يمكنك أن تخرج بفكرة بسيطة للبداية “غرس أشجار الأكاسيا”، وأنك لن تجد أبدا الطريق مفروشة بالورود، فالتأمل والتفكير والقناعة الشخصية شيء، والعمل على الأرض والقناعة المجتمعية شيء آخر، وأنك إذا انتقلت من نقطة القناعة المجتمعية إلى مرحلة الاستيعاب والتبني المجتمعي للفكرة عبر البيان العملي ورؤية الناس لثمرات العمل بأعينهم، فإنك بذلك تضع قدميك على أول طريق النجاح.

 

شاهدوا حلقة نساء من ذهب من هنا


وطالعوا تقرير ومضة من هنا
وطالع تعريفا لسارة التومي على الويكيبيديا العربية من هنا
وصفحة مشروعها آكاسيا للجميع على الفيسبوك
وتعريفا للشجرة على موقع الشجرة
وعلى الويكيبيديا العربية

تونسنساء من ذهب

اترك تعليقاً علي المحتوي