العمارة الحية..ابتكار يجعل المباني تتنفس

د. ريم خرتش
1

لماذا لا تكون العمارة أكثر تناغماً مع الإنسان؟ فكرة كون العمارة ساكنة للغاية لا تتوافق مع الطبيعة الحيّة. لطالما راودتني هذه الأفكار عندما بدأت الدراسة في كلية العمارة. لماذا لا تكون مواد البناء أكثر توافقاً مع الإنسان مثل الملابس أو الجلد الحي, أليس من الأفضل لو جعلناهما يتّحدان؟ بهذه الكلمات تحدثنا د. دوريس سونغ عن اختراعها الذي يغيّر موازين العمارة بشكل كلّي.

د. دوريس سونغ Doris Sung أستاذ مساعد في كلية العمارة في جامعة جنوب كاليفورنيا. ودرست علم الأحياء سابقاً في جامعة برينستون كتحضير لدخول كلية الطب، التي قرّرت العدول عنها ودراسة العمارة فيما بعد. إلا أنها ظلّت تبحث عن تطبيق لمبادئ علم الأحياء في عالم العمارة.

تقول دوريس: نظرت إلى البناء من زاوية أخرى وقلت لماذا علينا أن نلتزم بالمألوف؟ لماذا لا يكون مثل جلد الإنسان يتنفس ويبرد نفسه بنفسه. كذلك الأمر بالنظر إلى التطور التكنولوجي السريع شعرت بالتحدي للمنافسة في عالم التكنولوجيا، ومع الزمن بدأت أتجه شيئاً فشيئاً باتجاه تكنولوجيا العمارة. بحثت كثيراً وجرّبت كثيراً وصممت الكثير إلى أن وصلت إلى هذا التصوّر.

11

يعتمد مبدأ الفكرة بشكل أساسي على دمج معدنين مختلفين في صفيحة واحدة، يتمدد كل منهما بشكل مختلف عن الآخر عند التعرّض للحرارة. بالنتيجة بسبب هذا الفارق في عامل التمدد الحراري سوف تنحني الصفيحة عند التسخين لأن أحد المعدنين سوف ينحني أكثر من الآخر.

من أين جاءت هذه الفكرة؟

تقول د. دوريس: لقد استوحيت الفكرة من أباجورة صغيرة مزيّنة بمعدن يستجيب للحرارة الناتجة عن إضاءة المصباح. عندما يضيء المصباح يسخن المعدن ويتمدد ويسمح للنور بالمرور عبره، بينما يعود فينغلق محيطاً بالمصباح عند إطفائه. فكّرت عندها، لماذا لا تطبّق هذه الفكرة على العمارة كطريقة للتحكّم بعبور النور والهواء. عندما تكون الخلية المعدنية باردة تكون مغلقة كمسام الجلد بينما تبدأ القطع بالانحناء بمجرد التسخين تاركة المجال للهواء والنور للمرور عبرها بشكل أنيق وسلس.

Bloom

في فبراير 2011 أعلنت دوريس عن مشروعها الخارج عن المألوف بلوم وذلك في Silver Lake, Los Angeles. كما تتفتّح الأزهار يستجيب المشروع بلوم للضوء، قد تعتقد أن هذه المظلة العملاقة ذات الشكل العجيب هي ضرب من ضروب الفن الحديث. إلا أنّ العلم يقول كلمته مرة أخرى هنا. تمّ تصميم هذا الشكل باستعمال برمجيات تحدد مقدار التعرض للحرارة بحسب اتجاه الشمس وفق ساعات النهار.

إنّه عبارة عن ساعة شمسية عملاقة تواجه الشمس في أوقات مختلفة من اليوم وتستجيب لها بنسب مختلفة. تمّ استعمال 12000 خلية لا توجد بينها اثنتان متشابهتان. الهدف هو تحديد المواد الأنسب والاتجاه الأنسب للخلايا حيث تظهر الخلايا الأكثر تعرّضاً للحرارة باللون الأحمر في البرنامج.

بعد هذه الأبحاث يتم الحصول على بيانات كافية من أجل تحديد المادة والشكل المناسبين لكل اتجاه دون الحاجة إلى التصميم من جديد في كل مرة. إذن إنّ التكامل بين العمل البرمجي والتجريب الميداني هو ما سمح للمشروع برؤية النور.

111

Window Systems

الخطوة التالية كانت تصميم نظام نوافذ يعمل بنفس التقنية. هذه الجدران ثنائية المعدن thermo-bimetal تدمج ضمن الزجاج لتعطي نسيجاً حيّاً يتنفس مع أنفاس الصباح.

تقوم هذه الأنظمة بصناعة الظل والنور أوتوماتيكياً وقت الحاجة بدون استهلاك أية طاقة. بالإضافة إلى تخفيف كلفة تكييف الهواء وتقليل كمية الحرارة المخزّنة.

Tracheolis

في 2012 كان مشروع تريكيوليس هذه المرة ذهبت دوريس أبعد من ذلك لإنتاج ما يسمّى نظام الخرسانة Concrete Block System حيث فكّرت أنه بالإمكان إدماج أنظمة التبريد ضمن الجدران الخرسانية، حيث يتم تبادل الحرارة بين طرفي الجدار بطريقة مدروسة.

الرسالة التي تودّ دوريس أن توصلها هي أن العمارة يمكن أن تكون متناغمة مع ما نريد. صحيح أننا لا نريد للأرضيات والجدران أن تتحرك، ولكن ربما نكون قد فهمنا المبدأ بشكل خاطئ ويتوجب علينا إعادة النظر في حركة واستقرار الأشياء بحيث نخرج من هذه القوالب التي اعتدنا عليها لنفسح المجال لأفكار إبداعية ذات آفاق أبعد بالبزوغ.


مصادر المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=V17Lp1X0_ao

https://www.youtube.com/watch?v=wvIyVZf3qZU

تمددخرسانةدوريس سونغشمسيةعمارةمعدننافذة

اترك تعليقاً علي المحتوي